Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

ملتقى النبأ للحوار يستشرف ملامح "الدولة العميقة" وتأثيراتها على العملية السياسية في العراق

الجمعة، 06 مارس 2026 1 دقائق للقراءة
ملتقى النبأ للحوار يستشرف ملامح "الدولة العميقة" وتأثيراتها على العملية السياسية في العراق

أصدر ملتقى النبأ للحوار تقريره الأسبوعي بتاريخ، بعنوان (الدولة العميقة.. صفاتها وملامحها)، تناول من خلاله مجموعة من المشاركين العوامل والتداعيات لنظام المحاصصة على العملية السياسية وعلى مستقبل البلاد، والتي كانت تغذي الصراعات بين القوى التي تريد الإصلاحات وبين المجاميع التي تسعى للوقوف أمام المشروع الإصلاحي.

شارك في الملتقى مجموعة من المثقفين والنخب في العراق، من بينهم: (د. عبد الأمير الفيصل، د. محمد القريشي، د. أحمد الميالي، د. أمير الكلابي، د. سامي شاتي، باسم الحسناوي، الشيخ ناصر الأسدي، د. حمد جاسم، د. علي السعدي، أ. سعيد ياسين،علي الطالقاني).

وملتقى النبأ للحوار هو مجتمع يسعى إلى تحفيز المناقشات بهدف توليد الأفكار من أجل دعم المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وإسداء النصح لها من خلال تقارير دورية.

د. عبد الأمير الفيصل:

قد يدور في ذهن البعض أن الدولة العميقة لم تجد لها موطئ قدم في العراق؛ باعتبار أن النظام الجديد في العراق بعد التغيير لم يرسخ مفهوم الدولة العميقة، وقد يعتقد البعض أن "دولة الظل" هي الأقرب للمفهوم الموجود. ولكن ما يحدث في العراق من مجريات سياسية غير طبيعية بل ومتناقضة، تعكس وجود أخطبوط غير مرئي يقود الأحداث ويوجهها وفق تسلسل زمني يتحكم به أصحاب القرار في الدولة العميقة؛ ولذلك تفاجأ الجمهور بقرارات وبيانات لا تعكس إرادتهم، ولذلك ينقادون في كل أسبوع لأحداث لم تخطر على بالهم، وما جرى في البرلمان وما سبقه من أحداث كتقديم الحكومة الجديدة ثم تسويفها خير دليل.

وإذا كان البعض -وأنا منهم- يعتقد أن أمريكا بعيدة عن الأحداث فهذا "وهم سياسي"؛ فهي تراقب وتدير وتدبر وتحاول أن تحافظ على استمرار الفوضى السياسية، ولذلك فقد نفاجأ بقرارات لسياسيين لم تخطر على بال المحللين والجمهور، وقد تختلط أوراق وإرادات الدولة العميقة بما يفشل العملية السياسية ليظهر لنا البعض حلوله بالتقسيم والتفتيت.

د. محمد القريشي:

إن الصروح الديمقراطية التي حصلنا عليها كالبرلمان هي منجزات لا يجب التفريط بها "بالتقسيم الضار"؛ فكم تنهك أمم وتبذل الخسارات كي تصل إليها. على الإخوة النواب المعتصمين مسك البرلمان كمكتسب أولي وتعزيزه بالتحول نحو المعارضة القوية الحكيمة، وبناء مشروع منافس لما هو موجود تأميناً لـ "تداولية" مرنة تفرز منجزات بدلاً من الصراع الحالي الذي يقضم الهياكل ويعيدنا إلى صراعات ما قبل الدولة. ولندع السيد العبادي ماضياً في مسيرة التكنوقراط ونراقب ونقوم الأداء؛ لأن جوهر الإصلاح يبدأ من معالجة القضايا الأساسية كالفساد، والترهل الإداري، وضعف الاقتصاد، وتراجع الصناعة والزراعة وغيرها، وهي مفاصل جسد دولة مريضة بحاجة إلى (جراحين) كي يقوى الجسد ويلفظ دماءه الفاسدة وتنتعش عروقه بدماء جديدة ليعيش كدولة طبيعية ويسعد مواطنيه!. لكن سؤالي: كيف ندعم نواباً يعتصمون وهم يتبعون كتلاً سياسية لم تحقق متطلبات الشعب؟ فكيف يدعمون المشروع الإصلاحي؟

من الصعب الحديث عن دولة عميقة في العراق؛ لأن مفهوم الدولة العميقة يتعلق بتغلغل شبكة المصالح بشكل متجانس عبر أجهزة الدولة ومؤسساتها وبنمط سري قد يكون جزء منه ظاهرياً!. في العراق لا توجد دولة بمعناها الحقيقي على "السطح" حتى توجد دولة في "العمق"؛ أي أننا لم ننجح أولاً ببناء دولة بأجهزة ومؤسسات كي تأخذ وقتها بنسج شبكة مصالحها والنفوذ إلى عمق الدولة!. المجاميع الناشطة في الفساد تعمل على سطح (الدولة التي تتشكل وتتراجع) وبشكل مكشوف، وهي داخل كيان الدولة الهلامية وخارجها!.

أين السلطة القضائية في العراق؟! يتردد بين الفينة والأخرى في الحراك الفكري الجاري مفهوم (هيبة الدولة)، وذلك للإشارة إلى ضعف الدولة أو قوة العناصر المؤثرة في صنع الحدث السياسي حولها وداخلها. وغالباً ما يرتبط هذا المفهوم في أدبيات الشرق الأوسط بهيمنة الدولة وخوف المواطن منها كإشارة خفية إلى قوة النظام وجبروته.

ومن يتمعن في مفهوم هيبة الدولة عليه أن يفكك العلاقة بين الدولة ككيان مهمته إدارة الشأن العام وتحقيق العدالة في الفرص والثروات وتأمين السلام الاجتماعي من جهة، والنظام السياسي الذي يحقق تنفيذ مهمات الدولة بشكل متوازن ويوظف (عامل الزمن لصالح المواطن) من خلال تراكم المنجزات. ومن يراقب مسيرة الجمهورية الإسلامية على سبيل المثال بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، أو مسيرة دولة رواندا بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1993، مقارنة بمسيرة الدولة العراقية بعد سقوط نظام صدام عام 2003؛ يلمس التباين في توظيفات (عامل الوقت) بين هذه التجارب، حيث حققت إيران طفراتها المعروفة لتكرس إلى حد ما هيبة دولتها، وقفزت رواندا على جروحها وأحسنت تنفيذ عدالتها الاجتماعية وتحديث مفاصلها وحصلت على معدل نمو (8%) تنمية تنافس به الدول الكبيرة لتخلق دولة (مهابة) جوهر مهابتها سيادة القانون وما حققته من عدالة وتنمية وقبول شعبي عام.

ومن هنا يرتبط مفهوم (هيبة الدولة) في الأدبيات الغربية بـ (سيادة القانون) التي تعني مرادفة هذا المفهوم (الهيبة) مع قدرة الدولة على جعل القانون عنصر عدل وسعادة وأسلوباً لتنظيم الحياة وتحقيق مؤشرات تنمية متصاعدة. واستناداً إلى ذلك، لم تكن الدولة العراقية (مهابة) خلال حكم صدام حسين لضعف هيبة مواطنيها وغياب القانون الذي وصل درجة الإذلال من خلال تعبير الحاكم (القانون جرة قلم عندي!). تلاشت هيبة الدولة إذن لعدم وجود تنمية وغياب المؤسسات التي ترتكز عليها الدولة في تنظيم الشأن العام.

وفي السياق ذاته، فإن الحديث عن هيبة الدولة بعد عام 2003 يجب أن يكون مشفوعاً بالمؤشرات السلبية التي ميزت أداء النظام السياسي الحاكم لحد الآن: فدولة يبذر النظام الحاكم فيها الثروات المتراكمة نتيجة أسعار النفط العالية على الفساد والفشل، ويبني جيشاً فضائياً ينحني أمام عصابة إرهابية ويخسر ثلث الأرض، ويستند على قضاء مسيس يقدم الباطل على الحق، وتتوزع ولاءات رجالاته بين الدول القريبة والبعيدة؛ لا يمكن أن تكون دولة مهابة، ولا يصح لنخبها السياسية الحديث عن الهيبة. الدولة الحقيقية التي تمتلك المؤسسات وتعمل بالخطط والمؤشرات وتحتكر العنف وتحسن إدارة التنوعات وينفر مواطنوها خفافاً وثقالاً لتحقيق المنجزات، لا توجد في العراق أصلاً حتى توجد لها (هيبة).

الدولة العراقية الحالية فلك (ذليل) يدور حول نفسه ككيان هلامي، وتدور داخله وحوله أفلاك بهيئة مجاميع متنوعة تتنازع سحب الثروات العامة وتمتلك الكيانات الراسخة والعلاقات الواسعة وتتقاسم أو تتنافس بينها احتكار العنف. الحديث عن الدولة العميقة نوع من الترف الفكري أو الزهو.. الدولة العميقة تنمو تحت الدولة الأصلية التي تمتلك مؤسسات قوية كما كان الحال في مصر وتركيا وإيطاليا، ويسيطر على مؤسساتها مجموعة من الشخصيات التي تؤلف بينهم شبكة مصالح سرية. الحال في العراق مختلف لأن الدولة هلامية الشكل وغير مكتملة، والقوى المهيمنة عليها ليست من الداخل (مؤسسات) بل على محيطها (أحزاب - شخصيات - رموز).. وقد كتبت في مقالتي السابقة عن هيبة الدولة (بسبب عدم اكتمال شروط الوجود) ولم أكتب عن الدولة العميقة لعدم الوجود أصلاً.

وهناك حديث يدور عن شكل من أشكال الدولة العميقة في مصر حيث إنها لم تسقط مرسي وتأتِ بالسيسي، بل المجتمع المدني النشط والتيارات الرافضة للإسلام السياسي، ونتذكر جميعاً كيف تكاتفت طاقات الإعلام المصري الحر مع شرائح المثقفين وغيرهم والتفت حول المؤسسة العسكرية باعتبارها ركناً صلباً من أركان الدولة المصرية. نفس المشهد تكرر في تونس ولكن بشكل آخر؛ تونس التي تمتلك مستوى تعليم عالٍ وطبقة متوسطة واسعة وتياراً مدنياً ونقابات وغيرها بمستويات عالية النشاط، وقفوا جميعاً أمام (التغول التدريجي) لحزب النهضة وقطعوا الطريق عليه حتى قُضي الأمر عندهم.

كلمني أحد السياسيين الناشطين من الشريحة المدنية التونسية عن إحدى قصص قطع الطريق أمام حزب النهضة حين تهيأ الأخير لإعداد مشروع قانون (الخدمة الجهادية) لمكافأة (المجاهدين الإسلاميين) على سنوات عملهم السياسي، مكافأة بالمناصب والرواتب.. حيث قاوم التيار المدني هذا المشروع بحجة (أنكم جاهدتم في سبيل الله وليس في سبيل الامتيازات الدنيوية)، وهو ذات المنطق الذي تمسك به أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حول تقسيم العطاء وجوهره (الناس في العطاء عندي سواسية، أما من جاهد في الثغور أو من هاجر فأجره عند الله). وأكرر بأن الحديث عن دولة عميقة بعيد عن واقع حال العراق، فهناك (كيان دولة) تتنازع حولها كيانات لها عناصر قوة الدولة الحقيقية (ثروات / إعلام / قوة عسكرية "ميليشيات" / علاقات مع دول / أتباع يغلبون مصلحة الكيان على الدولة). مصر وتونس وتركيا وإسرائيل وغيرها دول لها مؤسسات قوية وتتمكن أحياناً شخصيات من مسك تلك المؤسسات وتسخيرها لمصالحها، وتنشأ نتيجة لذلك دولة أصلية ظاهرة على السطح ودولة عميقة ويحدث بينهما تنافس حول السيادة، وغالباً ما تنتصر الدولة الأم على العميقة لأن الدولة الأم لها علاقات مع المحيط الدولي (دول ومنظمات وغيرها) وهي تتضافر مع الدولة الأم لتمكينها من التغلب على الدولة العميقة (إيطاليا أنموذجاً) لأن مصلحة المجتمع الدولي مع الشرعية. لا نظلم العراق إذن بهذه المصطلحات المرعبة على كيانه (المرعب، المرتعش، المقطع، الأسير) ولندع العراق يعيش ظلمه بهدوء بعيداً عن تشبيهه بالدول (المحظوظة).

د. أحمد الميالي:

الدولة العميقة من يقترب من صناع القرار ويعرف كيف يسهلون أمورهم ويعتمدون على بيروقراطية الدولة البعثية السابقة في تعقيد مطالب الناس والاستخفاف بها والالتزام بكل قوانين المرحلة السابقة، يدرك أن العراق لم يغادر مفهوم هذه الدولة. والبعثيون ومن يفكر تفكيرهم كساستنا الآن من الناحية الإدارية والقانونية يعلمون أننا لا زلنا أسرى هذه الدولة. الدولة العميقة في العراق حالياً متمثلة بالأحزاب السياسية في كل أنحاء العراق، بحيث لا تسمح بأي صعود لأي حزب أو تكتل جديد وتستخدم وسائل مختلفة يمكنها من سحب الشارع إلى جانبها؛ لهذا أعتقد أن الإصلاح لا يمكن أن ينجح إلا بإزاحة هذه الدولة العميقة وإنهائها من خلال نهج "حدك للباب". لن يسمحوا للمواطن والنخب مهما كانوا مهنيين ومستقلين وكفاءات أن يدخلوا الباب. هناك فرق بين السياسة وعلم السياسة، ولهذا في الحوارات السياسية لا بد أن نحدد إما أن ننشغل بالتنظير -وهو موجود بالكتب والدراسات فلا حاجة لأخذ وقتنا فيه- وإما "الفعل السياسي" فهو الواقع الذي نعيشه ويفرض علينا التركيز عليه بعيداً عن التنظير، مع احتياجنا لبعض الحلول من علم النظرية مما يمكن إنجازه وتطبيقه فلا بأس.

هذه وجهة نظري فيما يخص الدولة العميقة في العراق، فهي واقعاً قائمة بالممارسة، أما إذا لم تكن قائمة بالأسس والمفاهيم والاصطلاحات فهذا يعني أنها تختبئ تحت عباءة هذه الأسس. الدولة العميقة تمثل السلطة فيها بوصفها "غنيمة"، وهو ما يجعل المجموعات المتحالفة، سواء كانت مالية أو عائلية أو سياسية، بمثابة إقطاعيات متنفذة. كما ينطبق الأمر على (الثقافة المجتمعية) السائدة في الأوساط الفقيرة والمتوسطة، التي لا تتردد هي أيضاً في ممارسة الفساد، عبر الرشى الصغيرة والكبيرة، للحصول على منافع أو لتحقيق رغبات، وأهم خصائص الدولة العميقة تتمثل بغياب النجاعة والتباطؤ المتعمد في حلحلة الملفات وغياب الشفافية، والعلاقات الشخصية والمحسوبية.

الأزمة السياسية الأخيرة تقودنا إلى خلاصة قاتمة مفادها أن تحرير الموصل لن يحدث في 2016. وبالتالي، فإن داعش سيبقى موجوداً حتى بعد رحيل العبادي؛ فالطبقة السياسية الحالية ساعدت أخطاؤها على تقوية الإرهاب وداعميه، ولا شك أن ذلك سيمثل الجزء الأقبح من تركة الكتل السياسية. الشعارات المنادية بمقاومة الفساد وضرب المحاصصة تمثل خطوات (محتشِمة) للمطالبين بها؛ فهؤلاء يريدون تطبيق الإصلاحات لكنهم يراعون خطوطاً حمراء موضوعة من قبل "الدولة العميقة" بمفهومها السياسي الذي تمثله الكتل السياسية، ولا تتمكن من تجاوزها. الفساد في العراق ظاهرة كلية، وهو في الأصل أحد أدوات الحكم والتحكم الذي يحدد العلاقات بين الكتل السياسية. وكيف نتخلص من هذه الدولة العميقة برأيكم دكتور حيث أصبحت عائقاً كبيراً وهل فعلاً تعتبر كذلك؟ فإن نصف ساسة العراق هم رجال أعمال خاضوا غمار السياسة، ليس بفضل شعبيتهم وبرامجهم الانتخابية، بل بفضل تأثيرهم المالي على الأحزاب التي ترشحوا في قوائمها، الأمر الذي يعني أن الديمقراطية بمعناها الانتخابي لا تمنع الفساد بل على العكس من ذلك، فالفساد صار يستفيد من الديمقراطية في العراق، ولهذا أتفق أن ساستنا أصبحوا عبئاً على الديمقراطية.

د. أمير الكلابي:

باعتقادي أن الكتل السياسية قد أوغلت في الفساد وأثرت على حساب الوطن والمواطن، ولن تتراجع أو تتخذ أي خطوة نحو الإصلاح؛ فما يجري أصبح استحقاقاً دستورياً عندهم ولا يمكن التنازل عنه أو العودة إلى الوراء. إصلاح القضاء بدعم شخصية نزيهة مدعومة من الشعب والمرجعية الرشيدة وتفعيل القانون بمحاسبة المفسدين هي الخطوة الأولى نحو الإصلاح؛ فبمعاقبة فاسد واحد سيتهاوى البعض ويهرب البعض الآخر. كما أؤيد تفعيل الحراك الأكاديمي النزيه وتوعية الجميع للضغط بقوة وبكل الاتجاهات لإحداث التغيير والإصلاح المنشود. خلال التظاهرات الأخيرة للنخب الأكاديمية التي خرجت اعتراضاً على تطبيق سلم الرواتب الجديد للموظفين، شُكلت وفود من الجامعات والتقينا برئيس الوزراء وشرحنا له الأوضاع، وقال الرجل بأنني قد استلمت ميزانية خاوية وأخوض حرباً ضروساً تكلفني المليارات شهرياً. وبعد أن أوضحنا له أن هذا لم يكن تقصير الشعب بل سياسات الحكومة الفاشلة، قدمنا له خططاً بديلة تسهم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه خلال هذه الفترة الحرجة. ومن هذه المقترحات:

الاعتماد على المنتج الوطني ودعمه؛ فمنتوج معامل السكر في الحلة والعمارة يتعرض للكساد وأنتم تستوردون السكر من الخارج بأضعاف قيمته ونحن نعلم لماذا.

إعادة بناء التصنيع العسكري؛ فمن غير المعقول أن نستورد الرصاص وقنابر الهاون والمعدات العسكرية البسيطة بأسعار خيالية في حين أننا قد قطعنا شوطاً طويلاً في صناعة هذه المواد.

وقد انطلقت بعض المنظمات بإطلاق حملات لدعم المنتج الوطني لكن هذه الحملات كانت مؤقتة. أما موضوعة الفساد فالجميع يتحدث بضرورة معالجته لكن دون جدوى؛ فمع شديد الأسف أصبحت حمى تعاطي الرشى ظاهرة حتى مع حصول الموظف على رواتب عالية، وابتدأ الفساد من أعلى السلطات لتنتقل هذه الحمى إلى جميع مؤسسات الدولة دون التصدي لها شعبياً، مع العلم أن الفساد يظهر بالمواطن قبل غيره لكن مع هذا لم نرَ الشعب العراقي تسلح بالثقافة والتصدي لذلك. ما لم تتبلور النية الحقيقية في الإصلاح من قبل الدولة بتبني خطط علمية مدروسة من قبل خبراء أكاديميين وطنيين وتطبيقها على أرض الواقع لن يحصل أي تغيير وعلى جميع الأصعدة. نحتاج إلى وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، نحتاج إلى ذوي الخبرة والاختصاص، نحتاج إلى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والفئوية الضيقة؛ فإذا استمر النهج على هذا المنوال سيحصل ما لا يحمد عقباه ولنا في التاريخ عبر فهو مختبر لكل الهفوات عبر العصور وما سقوط صدام ومعمر وحسني ببعيد. والفيلسوف هيجل يقول: "تعلمت من التاريخ أن لا أحد يتعلم من التاريخ".

د. سامي شاتي:

الدولة غير واضحة المعالم في العراق وهي في طور التشكل، وبالتالي فإن مصطلح الدولة العميقة قد يكون غير متحقق حالياً، وإن كانت ممارسات أغلب الأحزاب السياسية الحاكمة تمارس نفس الآليات التي تستخدم لدى جماعات الدولة العميقة، بل ذهبوا بعيداً في محاولة إنشاء المؤسسات الموازية ومنها فكرة المجلس الاستشاري السياسي وقبلها مجلس الحكم، والمراد الحفاظ على مصالح الكيانات التي تعتقد أنها وصية على العملية السياسية. الحل يكمن في تفعيل عمل مجموعات الضغط المجتمعي لتفعيل المؤسسات الدستورية ومنها مجلس النواب. ومن التوصيات المهمة: أولاً: تفعيل الرقابة الشعبية وتعظيم سلطة الرأي العام في متابعة وتقييم أداء مؤسسات الدولة. ثانياً: إعادة النظر بالأجهزة الرقابية في الدولة العراقية وتفعيل دور الادعاء العام. ثالثاً: مكافحة غسيل وتهريب الأموال وتنظيم القطاع المصرفي ومراقبة حسابات الأحزاب والجهات المتنفذة في الدولة.

باسم الحسناوي:

ساسة العراق لم يكونوا يوماً ما رجال أعمال؛ فرجل الأعمال عبارة عن عقل يفهم دقائق مهنته ولا يخرج منها وهو في تخطيط دائم ومسبق لتطويرها، أما ساسة العراق فقد استفادوا من الصدفة التي جعلت منهم هكذا فضلاً عن عزفهم على الوتر الطائفي والقومي كلٌّ حسب طائفته وقوميته. أما الحديث عن ديمقراطية في العراق فهو حديث لم يكن صائباً بامتياز، وما طُبق في العراق هو في ظاهره ديمقراطية وفي داخله كان عكس ذلك.

أعتقد إن جملة المشاكل الإدارية في العراق فيما يخص جوانب الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا والتاريخ والجغرافيا وغيرها والتي تحجم عمل وفاعلية دولة المؤسسات اليوم، لا يمكن أن نطلق عليها مصطلح الدولة العميقة بالمعنى التحليلي البحثي؛ لأن مصطلح الدولة يعني الكثير من الأمور المكانية والجغرافية والبشرية وغيرها، ولأن هذا المصطلح يُستخدم في الجانب الإعلامي التسويقي الذي يستخدمه بعض الصحفيين كعناوين لمقالاتهم. إن البحث في مصطلح ومفهوم الدولة العميقة كما هو مطروح للنقاش غير نافع وغير مجدٍ للأسباب التالية:

لأنه غير مجدٍ في النتائج التي ينتظرها منكم جمهور عامة الناس الذي تعنيه معرفة خفايا وأسرار الأمور العامة مباشرة وليس عن طريق الألفاظ التي بات يشمئز منها ويعتبرها باباً من أبواب السفسطة.

البحث بهذه الطريقة في الأمور العامة ينفع ويصب في خدمة الفاسدين والسارقين، وأعتقد أنهم يدفعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة أصحاب الأقلام من كتاب وباحثين للكتابة بهذه الطريقة لأنها لا تنفع إلا جمهور النخبة، وبالتالي هم لا تعنيهم النخبة بل تعنيهم العامة ليبقوا يتحكمون باتجاهاتها.

أكثر ما وجدته وإلى الآن من مداخلات حول موضوع الدولة العميقة هو وصفي استقرائي وكأني أتابع فلماً وثائقياً سردياً، والحاجة اليوم هي إلى مداخلات استشرافية مستقبلية افتراضية للأحداث وفي نفس الوقت افتراضية لعدد من الحلول والخيارات المستقبلية لمواجهتها.

وفي النهاية أضع أمامكم رأيي وهو ليس رأياً مقدساً في الموضوع وهو الآتي: يمكن تقسيم الموضوع إلى المحاور التالية:

أ- محور تحديات الثقافة المجتمعية بما فيها الدينية وغير الدينية سواء كانت من موروث تاريخي أو اكتساب آني حالي من المحيط الخارجي.

ب- محور تحديات صيرورة الدولة العراقية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

ح- محور القوى الدينية المؤثرة سلباً أو إيجاباً في هذه الدولة.

ج- محور الثقافة السياسية التي تواترت على إدارة هذه الدولة.

د- محور المحيط الخارجي وأثره على الدولة العراقية.

خ- محور الموقع والموارد في العراق وأثرها على ماضيه وحاضره ومستقبله.

الشيخ ناصر الأسدي:

ما يجري على الساحة السياسية من حراك وتوتر وتجاذبات، هذه كلها ظواهر طبيعية لبلد عاش حياته مسحوقاً تحت حوافر الدكتاتوريات المخضرمة العنيدة والبشعة؛ إنها بالقياس مع البلاد التي أحدثت تغييرات في واقعها تعتبر طبيعية، ومع مرور الزمن تقع العجلات على سكة التغيير والنهوض إن شاء الله تعالى. في رأيي المتواضع لا داعي للتشاؤم، العراق بخير إن شاء الله بجهود أمثالكم من المخلصين الوطنيين الواعين.

د. حمد جاسم:

الدولة العميقة هي مجموعة من التحالفات والتكتلات بين مجموعات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية تجمعها مصلحة واحدة وهي بسط نفوذها على الدولة بحيث أن إجراء أي تغيير سياسي واقتصادي وعسكري لا يمر إلا عبر هذه المنظومة. وأول استخدام للمصطلح كان في تركيا بعد انقلاب أتاتورك وعلمنة الدولة، إذ أن إجراء أي تغيير في تركيا يجب أن يكون بموافقة هذه المنظومة غير المرئية والتي تسير دفة الحكم، وقد فشلت العديد من الإصلاحات في تركيا وأودت بقادة الإصلاح إلى الإقامة الجبرية أو السجن. وقد تحدث العديد من القادة الأتراك، منهم كنعان إيفون ونجم الدين أربكان الذي حُل حزبه الإسلامي وسُجن، عن هذه الدولة العميقة.

في العراق، ظهرت البوادر الأولى للدولة العميقة بعد 2003 من خلال الكتل والأحزاب السياسية سواء كانت علمانية أو دينية، وقد اتفقت على هدف غير معلن ولكن متفق عليه بينها، وهي أنها تدافع عن النظام السياسي الذي أقامته بالاتفاق بينها وهو "المحاصصة في الحكم" وعدم المساس به. وأي خلاف بينها يجب أن لا يصل إلى هذا "المقدس" وهو المحاصصة، وآخرها التوقيع على وثيقة الشرف بين هذه الأحزاب والإبقاء على مصالحها في الحكم رغم ثورة الشعب ومطالبه بالإصلاح، بل إنها متفقة أيضاً على عدم تفرد جهة بالحكم وتحييد الكتل والأحزاب الأخرى.

لهذا لو عدنا إلى النظام البرلماني وتطبيقه في العراق بعد 2003، فبالرغم من أنه نظام سياسي مثالي ورائع ويحقق الديمقراطية المنشودة، إلا أن الأحزاب السياسية والكتل أخذت به لا لهذه الأسباب، بل لأنه النظام الوحيد الذي يحقق مطالبها ورغبتها بالمحاصصة السياسية في الحكم بدون أن يثير الشبهات؛ لأن النظام الرئاسي معروف عنه أن الحكم بيد الرئيس وهو شخص واحد وهو لا يحقق مصالح الأحزاب، كما أن الرئيس سيكون من حزب معروف أو خارج الأحزاب، لهذا لن يبقى لأصحاب النفوذ من زعماء الأحزاب من شيء، لذا نلاحظ استماتة هذه الأحزاب عن النظام البرلماني لأنه يحقق ما تصبو إليه الدولة العميقة من سيطرة لزعماء الأحزاب على الدولة العراقية وإدارتها بطريقة "لعبة السيرك" أي بالخيوط، وهو ما يطلق عليه الدولة العميقة. في العراق بعضها مرئي وواضح للعيان وذلك بسبب حداثة التجربة فيه، وهم قادة الكتل والذين يديرون اللعبة السياسية وهم خارج الحكم، أما غير المرئية فاعتقد أنهم نفوذ دول الجوار وأمريكا وبعض أصحاب الأموال والمنتفعين من العملية السياسية.

علي الطالقاني:

الدولة العميقة اليوم في العراق تنازع من أجل البقاء، وتستعيد الأمل مع حدوث أي أزمة. ولنستذكر شيئاً من وقت قريب؛ عندما تسلم السيد نوري المالكي السلطة كان ذكياً في دورته الأولى للإدارة مما مكنه من استيعاب فكرة التعاون مع جميع الأطراف من أجل إحكام السيطرة والهيمنة، ومن ثم عمل على توزيع الوزارات ووكلاء الوزراء والدرجات الخاصة أثناء هذه الفترة. كان بعض الأشخاص الجيدين لديهم قدرة والوقوف أمام المالكي في الكثير من الأحيان ما يكفي ليكونوا عقبة في سير أي حركة سياسية غير مدروسة أو ربما تخص شريحة ما، فشعر العديد من أصحاب هذه المناصب -ممن لا ينتمي معظمهم لحزب الدعوة- بالتهميش حيث كانت القرارات تتغير على يد رئيس الوزراء أو من خلال الضغط عليه من حاشيته. أدى هذا الأمر إلى استقالات، وآخرون رفضوا البقاء فيما بقيت مجموعة أخرى مجاملة وأخرى خائفة، وهو الأمر الذي استغلته الحكومة وقتها لتعيين الدرجات الخاصة، وعلى ما أذكر حتى القادة العسكريين من قادة الفرق والألوية أصبحوا تحت تصرف مكتب رئيس الوزراء، فضلاً عن استحداث أجهزة جديدة أمنية وإدارية ترتبط بمكتب رئيس الوزراء (بمعنى آخر دول موازية لأي حكومة جديدة)، وربما هي دولة بذاتها وبتنظيمها وأدواتها لكننا في العراق لم نصل إلى هذا الحد.

شيئان مختلفان تماماً: هي دولة تكون قوتها من قوة مؤسساتها المصطنعة وقابلة للإدارة حتى مع وجود الدولة الشرعية، والحديث هنا لسنا في صدد إدارة واعية من عدمها، لكن أصبحت الممارسات التي يقوم بها أتباع أي جهة سياسية، وتحديداً ما يتمخض من صراعات تقف أمام التغيير أو الإصلاحات، تجعل من موضوع الدولة العميقة يطفو على السطح وإن كانت هذه الدولة غير ظاهرة للعيان، وهنا تلعب الولاءات دوراً هاماً في الوقوف أمام أي حركة إصلاحية أو تغييرية والكلام هنا ليس بصدد نوع وجنس هذا التغيير.. "الملك عقيم" وصف للقوى السياسية وتشخيص دقيق لذلك. لننطلق من توعية شعبنا من خلال البرامج المختلفة التي تناغم متطلبات الفرد من الحاجات الروحية والبدنية وهو أمر سهل، لكن يحتاج أن نتفاعل بشكل أكبر من خلال المؤسسات والحوارات و"التربية الحقيقية للكوادر والاهتمام بجيل جديد" ورعاية الطاقات بطريقة شفافة مرنة ونتحمل مسؤوليتنا كاملة.

د. علي السعدي:

هل هناك دولة عميقة في العراق؟ التفحص الموضوعي لحيثيات نشوء الدولة العراقية المعاصرة، والظروف التي رافقت أو ساهمت في ذلك النشوء استناداً إلى المفاهيم الحديثة في تكون الدول، سيفضي إلى أن مفهوم الدولة بمعناه المعاصر ربما لم يعرفه العراق، ومرد ذلك إلى أن المرتكزات الأساسية لتكون الدولة (الشعب - الأرض - السلطة - والإرادة) لم تنصهر يوماً في تفاعل حي، إذ بقيت تعمل بمعزل -في الجوهر- كل عن الأخرى. فالدولة بما تعنيه من مؤسسات وهيئات رسمية وأهلية وحكومة ومعارضة وأحزاب، اختُزلت بسلطة الفرد الواحد، أما الشعب وبما تتضمنه الكلمة من حقوق وواجبات ومشاركة وهوية سياسية وثقافية وغيرها، فقد اختُصر هو الآخر إلى "رعايا" أو عشائر يسيرها العرف وتحكمها الجغرافيا وما تصنعه من أنماط عيش وسلوكيات، وهذه أيضاً لم يكتب لها النجاة من جور السلطة التي احتكرت موارد الأرض لصالحها وجندت الشعب لحروبها. إن معادلة (الاستخدام – القمع) من جانب السلطة و(الخوف – النفور) من جانب الشعب هي التي حكمت العلاقة بين هذين العاملين، فدفعت الجغرافيا بدورها الثمن (سيادة ضائعة وثروات مهدورة أو منهوبة) لذا فمن المتوقع والحالة هذه أن تنفصم عرى الكيان الوطني الواهنة أصلاً أمام الأحداث، سواء الوافدة منها أم الداخلية الخالصة، وتعود الروابط الكامنة أو القائمة فعلاً إلى الظهور بقوة لتكون لها الكلمة الفصل في حياة الأفراد كما في حياة المجتمع.

المرحلة الحالية، ورغم كل ما يعانيه العراق من مشكلات وأزمات، إلا أنها المرة الأولى التي يمكن أن تتوفر فيها فرص حقيقية لبناء دولة تحمل ملامح الحداثة. الدولة والسلطة – بين الكيان والوظيفة: الحديث عن الدولة كوظيفة والدولة كأداة، سيختلف بالكثير من حيث الشكل، لكنهما يلتقيان في محاور أساسية، ذلك لأن التاريخ الحضاري بأكمله لم يشهد في الواقع سوى نوعين من الدول هما:

الدولة الاستبدادية (الدولة / الأداة): وهي أكثر أنواع الدول ظهوراً في التاريخ وأطولها ديمومة، وفيها تستطيع مجتمعية ما –قد تكون قبيلة أو إثنية أو جماعات تعتنق ديانة أو عقيدة واحدة الخ– تكوين عناصر قوة تستطيع بواسطتها إقامة دولة تخضع جماعات أخرى لسيطرتها، وبالتالي تمارس عليها سلطة مطلقة تستمر فيها طالما احتفظت بعناصر القهر والإكراه، لكنها قد تتمكن مع دوام ممارستها (للسيطرة والتحكم) أن تدمج مكونات مختلفة وتضمها من ثم إلى (أمتها)، لكن هذا النوع من الدولة في كل حال يبقى عرضة للاضطراب وعدم الثبات ما دامت الدولة أداة تملك وسيطرة، حيث تبتلع السلطة مقومات الدولة وتجيرها لمصلحتها الخاصة على حساب المقومين الآخرين (الأرض والشعب).

الدولة التوافقية (دولة الوظيفة): ذلك النوع من الدولة لم تصله البشرية إلا قبل قرون قليلة خلت، وتحديداً فيما سمي بعصر النهضة، وقد جاء بعد مخاضات عسيرة تخللتها ثورات اجتماعية كبرى وحروب دينية طاحنة، خلخلت بتأثيراتها أساسات دولة الأداة التي استمرت آلاف السنين وكانت تمثل بدورها (توافقاً) بين الطبقات الحاكمة و(طبقات) الكهنة ورجال الدين. لقد أنتجت تلك الثورات (توافقاً) من نوع جديد تشكل أساساً من الطبقات الصناعية الصاعدة بثرواتها وفلسفتها وثقافتها ومكتشفاتها العلمية المتطورة، وبين الطبقة العاملة الصاعدة كذلك بمهاراتها واتحاداتها ونقاباتها وحيويتها، وهكذا نشأت من ذلك (التوافق) دولة أطلق عليها دولة الرفاه والعقد الاجتماعي، وهو ما يشير إلى فلسفة جديدة للدولة؛ فكلمة (عقد) تعني توافقاً حراً بين أطراف تجد مصلحتها في قيام نظام يرعى مصالح المجتمع كل حسب قدراته وموقعه في الهرمية الاجتماعية، وليس هناك من عقد يحمل معنى آخر، وإلا تحول إلى إكراه تنتفي معه صفة العقد.

لكن الدولة هنا لا تعني السلطة أو مجموع السلطات الثلاث وحسب، بل تشمل الأرض والمجتمع كذلك، فهي تتكون من عوامل أربعة متكاملة كما أسلفنا (أرض – شعب – سلطة – إرادة). فماذا يقصد بالدولة العميقة أو الدولة الفاشلة أو ما شابه من المصطلحات؟ إنها أشبه بمصطلح "دولة داخل الدولة" أي تلك القوى غير الظاهرة التي تؤثر في القرار.. لكن كلمة دولة تطلق هنا في باب المجاز.. لقد صنف فلاسفة اليونان خمسة أنواع من الحكومات، وذلك منذ عصور ما قبل الميلاد مروراً بما شهدته البشرية على مختلف الحقب -كان نصيبنا منها كبيراً- وصولاً إلى العصر الحديث.

لم يعرف العراق في عهده الحديث سوى النوع الأخير من الحكم، مع فترات قصيرة اختلطت فيها وتمازجت جميع المفاهيم المذكورة أعلاه، لكن الاستبداد كانت له الكلمة الفصل. بعد انهيار ذلك النوع من الحكم مع سقوط نظام صدام، كان يُفترض أن العراق دخل عهداً جديداً بالانتقال من ثم إلى الديمقراطية وهي صنو الحرية ومقامها الأول، لكن الملابسات المرافقة تشير إلى أنه دخل في الواقع مرحلة "الضبابية"؛ فقد حضرت التسميات السابقة كلها دفعة واحدة وتصارعت فيما بينها من دون أن يُكتب لأحدها تسجيل الغلبة أو تصدر المشهد. لقد ارتدت الأرستقراطية الدينية أو الحزبية ثوب الديمقراطية المدنية، فاحتفظت بالأولى وعززتها فيما استخدمت الثانية واستغلتها، وهكذا كانت الديمقراطية سبيلاً لتثبيت وتوسيع نفوذ الأرستقراطية، في وقت رفعت فيه الأرستقراطية كل شعاراتها وخطابها للحصول على مقدار متزايد مما تحققه الديمقراطية من مكاسب. أما الأوليغاركية، فقد غلفت نفسها بغلاف التيموقراطية فتكاثر (القادة) شكلاً ونفوذاً، وانحسروا فعلاً وعطاءً، لكن الحصول على الثروات كان جامعهم الأول –ومصدر خلافاتهم كذلك– لذا ظهر الفساد باعتباره المعلم الأبرز لهذا التداخل.

سعيد ياسين:

عودة لملف الدولة العميقة.. الحقيقة برأيي القاصر، لم تتشكل عندنا دولة عميقة كما المعنى الدقيق؛ لدينا شبكة مصالح سياسية واجتماعية متغيرة، والذي يجمع هذه الشبكة ويوحدها هو الفساد والاستحواذ، وهذا من ملامح الدول الضعيفة وفيها تتشكل المافيات وحتى الميليشيات للدفاع عن مكاسب الفساد والاستقواء بها بالاستحواذ. أما الفساد فقصته قصة، خصوصاً عندما تكون الجريمة عابرة للوطنية أي تمتد الشبكة إلى خارج الحدود، ومنها يفلت الزمام لتستلم القوى النافذة زمام القرار، أي أن طرق باب من أبواب الدولة العميقة وتبادل المصالح ستكون بالنهاية وبالتالي على من يحاول اللعب بأوراق السياسة الحذر لأن الجمهور بلحظة ممكن أن يقلب الطاولة.

إن معالجة هكذا أمراض سياسية في إدارة الحكم هو فرض سيادة القانون وإنفاذ القانون ووجود نظام عدالة، أي قضاء وادعاء عام متمكن ونزيه وغير مسيس مع مؤسسات رقابية مستقلة فعلاً وأجهزة إنفاذ القانون، والآخر مواطن ومواطنة برفض مجتمعي للفساد والفاسدين وإساءة استخدام النفوذ.


مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!