Skip to content
آخر المستجدات
دور المؤسسات غير الرسمية الصينية المساهمة في صنع الدبلوماسية الأقتصادية بحث: الثقافة الاسلامية واثرها في بناء الحضارة معارك الحزم: التنافس بين الولايات المتحدة والصين في الذكاء الاصطناعي يتجاوز مجرد الرقائق كيف تحولت النخبة العراقية من وعود بناء الدولة إلى ماكينة لإنتاج الفشل الصين تطرح رؤيتها لنظام عالمي جديد، ولكن هل ستلتزم بتخصيص الموارد التي تضاهي طموحاتها؟ المجتمع الأزرق وقرارات الموت الاختياري العراق على حافة اختبار جديد.. هل تصمد حكومة الزيدي أمام عواصف المنطقة؟ القيادة الرقمية كأداة للحد من الفساد المالي والإداري في العراق هل يمكن لمبادرة جديدة أن تساعد منطقة الخليج على الخروج من فخ الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ هذه حرب أبدية قيد التشكيل الحياد الكربوني وإعادة هندسة القوة العالمية: كيف أصبح الانتقال الأخضر ساحة جديدة للصراع الجيوسياسي والهيمنة الاقتصادية؟ أهمية التنمية المستدامة والقيادة الرقمية في العراق الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات الاستراتيجية الأمريكية في عصر المنافسة التكنولوجية دور المؤسسات غير الرسمية الصينية المساهمة في صنع الدبلوماسية الأقتصادية بحث: الثقافة الاسلامية واثرها في بناء الحضارة معارك الحزم: التنافس بين الولايات المتحدة والصين في الذكاء الاصطناعي يتجاوز مجرد الرقائق كيف تحولت النخبة العراقية من وعود بناء الدولة إلى ماكينة لإنتاج الفشل الصين تطرح رؤيتها لنظام عالمي جديد، ولكن هل ستلتزم بتخصيص الموارد التي تضاهي طموحاتها؟ المجتمع الأزرق وقرارات الموت الاختياري العراق على حافة اختبار جديد.. هل تصمد حكومة الزيدي أمام عواصف المنطقة؟ القيادة الرقمية كأداة للحد من الفساد المالي والإداري في العراق هل يمكن لمبادرة جديدة أن تساعد منطقة الخليج على الخروج من فخ الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ هذه حرب أبدية قيد التشكيل الحياد الكربوني وإعادة هندسة القوة العالمية: كيف أصبح الانتقال الأخضر ساحة جديدة للصراع الجيوسياسي والهيمنة الاقتصادية؟ أهمية التنمية المستدامة والقيادة الرقمية في العراق الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات الاستراتيجية الأمريكية في عصر المنافسة التكنولوجية
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

الأولوية الخوارزمية وتحولات المحتوى الإعلامي العربي بين اقتصاد الانتباه وتآكل الوظيفة المعرفية

د
د.حمدي محمود
السبت، 25 يوليو 2026 1 دقائق للقراءة
الأولوية الخوارزمية وتحولات المحتوى الإعلامي العربي بين اقتصاد الانتباه وتآكل الوظيفة المعرفية

لم يقتصر تأثير الخوارزميات على تغيير وسائل توزيع المحتوى الإعلامي، بل امتد ليطال البنية الداخلية للعمل الإعلامي ذاته، فأعاد تشكيل معايير الإنتاج والتحرير والنشر، وفرض منطقًا جديدًا للمنافسة يختلف جذريًا عن ذلك الذي حكم المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة. ففي الماضي كانت القيمة الإخبارية والأهمية المجتمعية والبعد التثقيفي تمثل المرتكزات الأساسية التي تُبنى عليها الأولويات التحريرية، أما اليوم فقد أصبح المحتوى يخضع بدرجة متزايدة لمعيار الأولوية الخوارزمية؛ أي ذلك المعيار الذي يمنح الأفضلية للمادة الإعلامية الأكثر قدرة على جذب الانتباه وإثارة التفاعل، بصرف النظر عن عمقها أو أهميتها أو إسهامها في بناء المعرفة العامة.
ويعكس هذا التحول صعود نموذج اقتصادي جديد يعرف في الأدبيات المعاصرة بـ"اقتصاد الانتباه"، حيث لم تعد المنافسة تدور حول امتلاك المعلومات، لأن المعلومات أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة، وإنما حول القدرة على الاستحواذ على انتباه الإنسان في بيئة رقمية تعج بالمثيرات البصرية والسمعية والرمزية.
فالانتباه الإنساني أصبح المورد الأكثر ندرة، ومن ثم تحول إلى سلعة تتنافس عليها المنصات الرقمية والمؤسسات الإعلامية والمعلنون وصناع المحتوى على حد سواء. وفي ظل هذا الواقع، أصبحت قيمة المحتوى تقاس بقدرته على الاحتفاظ بالمستخدم داخل المنصة لأطول فترة ممكنة، وليس بقدرته على توسيع مداركه أو تنمية وعيه أو مساعدته على اتخاذ قرارات أكثر عقلانية.
ولذلك لم يعد مستغربًا أن تتغير طبيعة الرسائل الإعلامية في كثير من المنصات العربية، حيث أخذت المواد القصيرة والسريعة والمشحونة بالإثارة تحظى بفرص أكبر للانتشار مقارنة بالتحقيقات المتعمقة أو المقالات التحليلية أو البرامج التثقيفية. ولم يكن هذا التحول نابعًا بالضرورة من تراجع كفاءة المؤسسات الإعلامية أو انخفاض مستوى القائمين عليها، بل جاء نتيجة مباشرة لتغير البيئة الرقمية التي أصبحت تكافئ المحتوى القادر على تحقيق معدلات مرتفعة من التفاعل، وتعاقب المحتوى الذي يتطلب وقتًا أطول للتفكير أو التحليل. وهكذا أصبحت الأولوية الخوارزمية تمارس تأثيرًا غير مباشر على القرارات التحريرية، حتى دون وجود تعليمات صريحة من إدارات المؤسسات الإعلامية.
وقد ترتب على ذلك ظهور أنماط جديدة من الإنتاج الإعلامي تقوم على اختزال القضايا المعقدة في رسائل سريعة، وتبسيط الموضوعات المركبة إلى عناوين مكثفة، وإعادة تقديم الأحداث في صور درامية أو عاطفية بهدف زيادة فرص انتشارها. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الأساليب مجرد استثناءات، بل بدأت تتحول إلى ثقافة مهنية تتكيف مع متطلبات البيئة الرقمية، حتى أصبح بعض صناع المحتوى يخططون لموادهم انطلاقًا من توقع استجابة الخوارزمية قبل التفكير في القيمة المعرفية التي سيقدمونها للجمهور.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن هذا التحول أدى إلى إعادة ترتيب سلم الأولويات داخل المجال العام العربي. فقد أصبحت بعض الوقائع المحدودة أو التصريحات الفردية أو الأحداث العابرة تستحوذ على اهتمام واسع يمتد لأيام، بينما تمر قضايا استراتيجية تتعلق بالتنمية والتعليم والاقتصاد والبحث العلمي والأمن المائي والتحولات الجيوسياسية دون أن تحظى بالاهتمام الذي تستحقه. ولا يرجع ذلك بالضرورة إلى عدم أهمية هذه القضايا، وإنما إلى أنها غالبًا لا تحقق المؤشرات الرقمية التي تمنحها الخوارزميات أولوية في الظهور. وبذلك لم تعد قيمة القضية هي التي تحدد حجم حضورها في الفضاء العام، بل أصبحت فرصتها في جذب الانتباه هي العامل الحاسم في انتشارها.
وتبرز هنا إحدى أخطر نتائج الأولوية الخوارزمية، وهي إعادة تشكيل الإدراك الجمعي بصورة تدريجية. فالإنسان يميل بطبيعته إلى اعتبار ما يتكرر أمامه أكثر أهمية مما لا يراه، حتى وإن كانت الوقائع الموضوعية تشير إلى العكس. ومع استمرار تعرض الجمهور لنمط معين من المحتوى، تبدأ أولوياته الإدراكية في التغير دون أن يشعر بذلك، فيصبح أكثر اهتمامًا بالقضايا المثيرة للانفعال، وأقل اهتمامًا بالقضايا التي تتطلب تفكيرًا هادئًا وتحليلًا متأنيًا. وبهذه الطريقة لا تعيد الخوارزميات ترتيب المحتوى فحسب، بل تعيد أيضًا ترتيب خريطة الاهتمام داخل العقل الجمعي.
كما أسهمت هذه البيئة الرقمية في تكريس"إعلام الإثارة"، وهو نمط إعلامي يعتمد على تحريك المشاعر أكثر من اعتماده على تقديم المعرفة. ففي كثير من الأحيان تُقدَّم الأخبار والصور والمقاطع المصورة بطريقة تستهدف إثارة الغضب أو الخوف أو الدهشة أو التعاطف، لأن هذه الانفعالات تحقق معدلات أعلى من المشاركة والتعليق وإعادة النشر. ومع أن التأثير العاطفي يمثل جزءًا طبيعيًا من العملية الاتصالية، فإن تحوله إلى الهدف الرئيس للإنتاج الإعلامي يهدد بتراجع المعايير المهنية، ويجعل الانفعال يتقدم على التفسير، ورد الفعل يسبق الفهم، والموقف اللحظي يحل محل التفكير النقدي.
ويزداد أثر هذه الظاهرة في المجتمعات العربية بسبب الطبيعة الديموغرافية التي يغلب عليها الشباب، وهم الفئة الأكثر ارتباطًا بالهواتف الذكية والمنصات الرقمية. ويتعرض هؤلاء يوميًا إلى تدفقات هائلة من الرسائل الإعلامية القادمة من بيئات ثقافية وسياسية متعددة، بما تحمله من أنماط قيمية وسلوكية ورمزية متباينة. وفي ظل غياب برامج واسعة للتربية الإعلامية والرقمية، يصبح من الصعب على كثير من المستخدمين التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى الموجه، أو بين التحليل المهني والتأثير العاطفي، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بالرسائل التي تمنحها الخوارزميات أولوية في الانتشار.
ومن النتائج المهمة كذلك اتساع ظاهرة "الفقاعات الرقمية"، حيث تقوم الخوارزميات بعرض محتوى يتوافق باستمرار مع اهتمامات المستخدم السابقة وسلوكه الرقمي، فيجد نفسه محاطًا بآراء ومواقف متشابهة تعزز قناعاته القائمة، بينما تتراجع فرص احتكاكه بوجهات نظر مختلفة أو معلومات قد تدفعه إلى مراجعة مواقفه. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الفقاعات إلى بيئات مغلقة تعيد إنتاج الأفكار ذاتها، وتغذي الاستقطاب الفكري والسياسي والاجتماعي، وتضعف ثقافة الحوار وقبول الاختلاف.
ولا يمكن إغفال أن المؤسسات الإعلامية العربية أصبحت هي الأخرى طرفًا في هذه المعادلة. فالمنافسة الحادة على الجمهور، وتراجع الإيرادات التقليدية، والاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية كمصدر رئيس للوصول إلى المتلقين، دفعت كثيرًا من المؤسسات إلى إعادة صياغة سياساتها التحريرية بما يتوافق مع قواعد البيئة الخوارزمية. وهكذا أصبح القرار التحريري يتأثر ليس فقط بالاعتبارات المهنية أو الوطنية أو الثقافية، وإنما أيضًا بتوقعات الأداء الرقمي، ومؤشرات المشاهدة، ومعدلات الوصول، ونسب التفاعل، وهي كلها مؤشرات أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في استدامة المؤسسات الإعلامية وقدرتها على المنافسة.
غير أن المشكلة لا تكمن في الاستفادة من التكنولوجيا أو في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لتحسين الأداء الإعلامي، فهذه الأدوات تمثل أحد أهم منجزات العصر الرقمي، ويمكن أن تسهم في توسيع الوصول إلى المعرفة وتعزيز جودة الخدمات الإعلامية. وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول الأولوية الخوارزمية من وسيلة تقنية لتنظيم المحتوى إلى مرجعية حاكمة تحدد ما يستحق الاهتمام وما ينبغي تجاهله، وعندما يصبح النجاح المهني مرهونًا بمدى قدرة الوسيلة الإعلامية على إرضاء الخوارزمية أكثر من قدرتها على خدمة المجتمع.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام العربي اليوم لا يتمثل في كيفية تحقيق انتشار أكبر فحسب، بل في كيفية استعادة التوازن بين متطلبات البيئة الرقمية ورسالة الإعلام بوصفه مؤسسة معرفية وثقافية مسؤولة عن بناء الوعي العام. فالقدرة على جذب الانتباه تمثل شرطًا مهمًا في عصر المنصات، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى غاية مستقلة عن الوظيفة الأساسية للإعلام، وهي إنتاج المعرفة الموثوقة، وتعزيز التفكير النقدي، وتقديم تفسير متوازن للأحداث يساعد المجتمعات على فهم واقعها وصياغة مستقبلها بعيدًا عن هيمنة الانفعال وضغوط الأولوية الخوارزمية.

المراجع:

1. Bucher, T. (2018). If... Then: Algorithmic power and politics. Oxford University Press.

2. Couldry, N., & Mejias, U. A. (2019). The costs of connection: How data is colonizing human life and appropriating it for capitalism. Stanford University Press.

3. Gillespie, T. (2018). Custodians of the Internet: Platforms, content moderation, and the hidden decisions that shape social media. Yale University Press.

4. Pariser, E. (2011). The filter bubble: What the Internet is hiding from you. Penguin Press.

.5Zuboff, S. (2019). The age of surveillance capitalism: The fight for a human future at the new frontier of power. PublicAffairs.


مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!