Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

التفاوض مع الجماعات المسلحة في العراق: بين ضرورات الاستقرار وتحديات الدولة

علي الطالقاني علي الطالقاني الخميس، 28 مايو 2026 0 دقائق للقراءة
التفاوض مع الجماعات المسلحة في العراق: بين ضرورات الاستقرار وتحديات الدولة

ما هو مصير العراق وسط فوضى السلاح وتعدد الجماعات المسلحة؟ وما الأسباب التي تدعو إلى التفاوض؟ وهل الحوار مع الجماعات المسلحة عمل غير أخلاقي؟ وهل يزيد من قوة هذه الجماعات بما يعزز نفوذها، وربما يقوض الديمقراطية ويشجع على ابتزاز الحكومة عبر السلاح من أجل تحقيق أهدافها؟ وأين هي استحقاقات الديمقراطية؟ وهل هناك سبيل آخر غير الحوار، أو نهاية للصراعات الملطخة بالدماء؟ ومتى يكون الوقت المناسب؟
لقد مرّت سنوات طويلة، ولم نجد إجابات كافية عن هذه الأسئلةولو انطلقنا من مبدأ الرفض، سنجد أن له مبرراته المشروعة، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من الطابع العاطفي، لأنه يمثل ردة فعل طبيعية تجاه ما حصل من عنف عام، أو يأتي أحياناً بسبب أجندة سياسية. ومن الخطأ أيضاً أن نتهم المفاوضات بأنها تعكس الضعف أو الاستسلام، فهي غالباً ما تكون دليلاً على قوة الدولة ومدى ثقتها بنفسها.
الجماعات المسلحة لها منطقها الخاص الذي لا يستطيع فهمه من لم يشتغل بالسياسة والأمن، ويتطلب الحوار عادة وقتاً وجهداً لمعرفة الأسباب التي دفعت إلى حمل السلاح، وما الذي تريده تلك الجماعات. فمن الصعب جداً تفكيك منطق هذه الجماعات ما لم يتم الحوار معها. فماذا نسمي الحوارات التي تجريها الحكومات مع أنظمة متطرفة وعدائية تستعمل العنف أسلوباً لمعالجة مشكلاتها؟
إن الخطاب القائم على الأخلاقيات المطلقة في رفض التفاوض مع الجماعات المسلحة قد لا يصمد أمام الواقع، كما أنه غير عملي، إذ لا يمكن القضاء بشكل تام على الجماعات المسلحة، خصوصاً إذا كانت متجذرة شعبياً ومؤسساتياً، ولها ارتباطات دولية. الواقع السياسي العراقي لا يمكن أن يشق طريقه عبر القتل أو الأسر لمعالجة ذلك التمرد الكبير الذي ينهش المجتمع العراقي، وإنما يتطلب أحياناً استعداداً لأن تكون هذه الجماعات "جزءاً من الحل في العراق، بدلاً من استمرارها جزءاً من المشكلة."
المهمة أشبه بالسير على حبل أخلاقي رفيع، وفي الوقت نفسه فإن التفاوض أو الحوار ليس نسياناً للماضي، بقدر ما هو محاولة لدرء الاقتتال وتلافي العنف في المستقبل، لكن الإيجابي في ما يجري في العراق أن الحوار قد يحمل فرقاً جوهرياً عن تلك المفاوضات التي فشلت في دول أخرى، لأنه يمكن أن يجري مع جماعات لديها قناعات بضرورة تجنب الحرب الداخلية، كما أنها تواجه ضغوطاً، وتضع اعتباراً لجماعات دينية واجتماعية فاعلة تمنعها من خوض تلك الحروب. لكن بالمحصلة، نحن أيضاً أمام استفزازات كثيرة يمكن أن تشعل فتيل الحرب.
لو تطرقنا الى نموذج التجربة الإيرلندية والباسك، لوجدنا أنها انتهت بوسائل سلمية مع جماعات مسلحة، سواء كانت ضعيفة أم قوية. فعلى سبيل المثال، وصلت تلك الجماعات إلى قناعة، عبر القوة الناعمة والخشنة، بأن أهدافها لن تتحقق بسهولة. وفي إيرلندا، توصلت الحكومة إلى نقطة كان على الجيش الجمهوري الإيرلندي أن يتفاوض معها. أما المخاوف التي تترسخ بأن المفاوضات قد تمنح هذه الجماعات شرعية أكبر، فمن الواضح أن التجارب التاريخية لم تتحدث عن ذلك، خصوصاً عندما تفشل تلك المفاوضات. فالمجتمع الدولي ينظر أيضاً إلى تلك المفاوضات، ومن المؤكد أنه لن يمنح الحق لتلك الجماعات في حال الفشل، كما حدث في تجربة "آتشيه" عام 2002، عندما فشل المتمردون في استرجاع الشرعية. بمعنى أن الشرعية الوقتية ليست ثمناً باهظاً مقابل عملية سلام دائم، فالحكومات تبقى الممثل الشرعي الدائم للشعوب.
أما على المستوى الدولي، فعادة ما تدرك الأنظمة أهمية عملية السلام، وإنها في أحيان كثيرة تقدم المساعدة، لأن إيقاف التهديد يمنح المجتمعات فرصة للنمو الاقتصادي، خصوصاً عندما لا تحصل الجماعات المسلحة على امتيازات جوهرية، وهو ما يصب في مصلحة الحكومات.
ومع دخول العراق مرحلة جديدة من الصراع، برزت الحاجة إلى عقد عدة مفاوضات تشمل محاور بعينها، بشكل مباشر وغير مباشر. لكن ما يزيد الأمر تعقيداً هو الموقف الغامض لبعض الفصائل المسلحة، فهي تمتلك قدراً من الاستقلالية داخل العراق، وتتمتع بقوة ذاتية، وفي الوقت نفسه تخشى أن تكون عرضة للتهميش أو مجرد ورقة مساومة. لذا تحاول هذه الجماعات إجبار الحكومة العراقية والولايات المتحدة على التفاوض معها بشكل مباشر، حتى وإن تطلب الأمر الابتعاد عن إيران.
ما زاد من غضب تلك الجماعات احتمالات عديدة، منها إصرار طهران على التهدئة، خصوصاً أثناء المفاوضات التي قد تلعب دوراً في إضعاف مركزية هذه الفصائل أو ائتلافها، وربما التخلي عنها لاحقاً. ومن المتوقع أن يكون هناك المزيد من الهجمات على القواعد العسكرية الأمريكية والدعم اللوجستي لقوات التحالف، بهدف توجيه رسالة إلى جميع الأطراف مفادها أن الحوار يجب أن يجري مع هذه المجموعات بشكل مباشر. أما الحكومة العراقية، فهي عاجزة عن فرض سيطرتها الأمنية بشكل كامل، وكذلك إيران لا تمتلك القوة الكافية لوقف الهجمات، ما لم تحصل الفصائل المعنية على ضمانات كافية ونتائج مرضية.
في هذا المقال، لسنا مع أو ضد، بقدر ما هي دعوة لدراسة الحالة العراقية وفق الجغرافيا والسياسة والتاريخ والمصالح. فالحالة المثالية لن تتحقق بسهولة لبناء ديمقراطية وانتخابات حرة، خصوصاً بعد نحو عقدين من الزمن شابها العنف والفساد والتفكك الاجتماعي وهيمنة الطائفية، من دون تقدم ملحوظ في بناء الدولة، أو حتى تشكيل حكومة مستقرة. ولذلك، يجب تقدير تعقيدات الحالة العراقية كما هي.
ورغم أن هذه الفكرة قد تثير الجدل، فإنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على قضية تستحق التداول والنقاش بدقة، من أجل تفادي أي حرب داخلية.

مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!