تفكك المجال العربي وصعود البدائل الإقليمية؟
منذ سنوات، يتكرر في
الخطاب السياسي والإعلامي العربي الحديث عن ضرورة "عودة العراق ولبنان إلى
الحضن العربي"، في إشارة إلى ضرورة الابتعاد عن النفوذ الإيراني والعودة إلى
المجال العربي. لكن هذا الطرح يثير تساؤلاً جوهرياً غالباً ما يتم تجاوزه: ما هو "الحضن
العربي" أساساً؟ وهل ما زال هناك مشروع عربي موحد يمكن العودة إليه؟
المشكلة أن هذا
المفهوم يُطرح وكأنه حقيقة مستقرة وواضحة، بينما الواقع الإقليمي يكشف عن أزمة
عميقة في بنية النظام العربي نفسه، ليس فقط على مستوى الانقسام السياسي، بل حتى
على مستوى تعريف المصالح والهوية والأمن.
من المشروع العربي
إلى الفراغ العربي
بعد الحرب العالمية
الثانية، تشكل ما يمكن تسميته بالمشروع القومي العربية(بعد صعود التيار القومي)
حيث كانت هناك محاولة لبناء مركز عربي يقود المنطقة سياسياً ورمزياً على اساس
القومية العربية. آنذاك، كان مشروعاً مضمونه السياسي يتجاوز الحدود
السياسية(القطرية). لكن هذا المشروع تعرض إلى سلسلة من الانتكاسات (هزيمة 1967،
الانقسامات العربية، اتفاقيات السلام المنفردة ، الحروب البينية ، صعود الدولة
القطرية على حساب الفكرة القومية) كل ذلك أدى تدريجياً إلى تفكك ما يسمى المركز
العربي(أو المشروع القومي) وظهور فراغ استراتيجي في المنطقة.
صعود المشاريع
البديلة
في ظل تراجع المشروع
العربي، ظهرت مشاريع إقليمية أخرى أكثر تماسكاً وتنظيماً (المشروع الإيراني بعد
الثورة الإيرانية 1979م، المشروع التركي ذو الامتداد العثماني الجديد، المشروع
الإسرائيلي المدعوم غربياً). بينما بقي النظام العربي يعيش حالة من التشرذم وفقدان
الرؤية الموحدة. ومن هنا، تحولت دول مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن إلى ساحات
تنافس واستقطاب بين المشاريع المختلفة، لا إلى أجزاء من نظام عربي متماسك.
هل الخليج يمثل
"الحضن العربي"؟
في الخطاب المعاصر،
غالباً ما يُختزل "الحضن العربي" بدول الخليج، لكن حتى هذا التصور يواجه
إشكالات كبيرة. فدول الخليج نفسها ليست كتلة سياسية واحدة: هناك تباين في الرؤى
بين الدول الخليجية في ملفات متعددة(قطر تمتلك مقاربة مختلفة وتقاطعات واسعة مع تركيا،
المواقف تجاه الإسلام السياسي، واليمن، والسودان، والعراق وسوريا ليست موحدة). هذا
وغيره، يجعل الحديث الحديث عن "حضن خليجي موحد" يبدو مبالغاً فيه، لأن
الواقع يكشف عن مشاريع متوازية وأحياناً متنافسة داخل البيت الخليجي نفسه.
معضلة الأمن: من يحمي
من؟
المفارقة الأكبر أن
هذا "الحضن" ان كان خليجياً نفسه ما زال يبحث عن مظلة تحميه. فعلى الرغم
من إنفاق مئات المليارات على التسلح بعد عام 2003م فإن الأمن الخليجي بقي معتمداً
بصورة كبيرة على: (الولايات المتحدة أو شراكات مع تركيا، أو تقاطعات مع باكستان، فضلاً عن تصاعد الشراكات
مع (الكيان الإسرائيلي) وهنا يظهر السؤال
الأعمق:
كيف يمكن لكيان يبحث
باستمرار عن ضامن أمني خارجي أن يتحول إلى "حضن" استراتيجي" قادر
على حماية الآخرين أو إعادة تشكيل المنطقة؟
الأزمة ليست في
العودة… بل في غياب المركز
حتى إذا وسعنا مفهوم
"الحضن العربي" ليشمل دولاً مركزية مثل مصر، فإننا نصطدم بأزمات
اقتصادية وهيكلية عميقة تعاني منها مصر، تجعل فكرة المشروع العربي الجامع أكثر
تعقيداً. لذلك، تبدو الدعوة إلى "العودة إلى الحضن العربي" أقرب إلى
شعار سياسي يُستخدم في إطار الاستقطاب الإقليمي، أكثر من كونها تعبيراً عن مشروع
عربي متكامل يمتلك: رؤية موحدة، استقلالاً استراتيجياً، منظومة أمن جماعي أو حتى
تعريفاً مشتركاً للمصالح العربية.
الخلاصة:
المشكلة الحقيقية
ليست في عودة العراق أو لبنان إلى "الحضن العربي"، بل في السؤال الأكثر
إرباكاً: هل يوجد اليوم حضن عربي جامع أصلاً؟
فالمنطقة لم تعد
تعاني فقط من صراع نفوذ، بل أزمة مركز عربي (أو مشروع عربي)، أدت إلى تحول الشرق
الأوسط من فضاء عربي موحد نسبياً إلى ساحة مفتوحة لمشاريع إقليمية ودولية متنافسة
ومتصارعة على الاراضي العربية.
الكلمات المفتاحية
استاذ الدراسات الدولية بجامعة بغداد
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!