Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

كيف تعاملت الحضارات القديمة مع الدبلوماسية

مريم حميد الياسري مريم حميد الياسري الاثنين، 11 مايو 2026 1 دقائق للقراءة
كيف تعاملت الحضارات القديمة مع الدبلوماسية

تعود الدبلوماسية كمهنة وسلوك إلى زمن موغل في القدم؛ فيؤرّخ لها (ديفيد رينولدز) بداية ظهورها إلى العصر البرونزي على أقل تقدير، ولم يكن مدلول (الدبلوماسية) يحمل ما يحمله اليوم من معان فأصلها اليوناني يقول: إنها الوثيقة المطوية (diploma)، وارجع البعض اصلها الى (دبلوما) الكلمة الاغريقية، وتعني: الوثيقة المزدوجة، ثم تطور المعنى ليصبح الوثيقة ذات الصفة الرسمية؛ فالكلمة اليونانية في اصلها تعني: (طوى)، كما يعني اسم (دبلوما) الاذونات في السفر، وتعني: ايضًا نسخة عن الوثيقة الصادرة عن الامير، حيث يبقى اصل تلك النسخة محفوظا([1]).
ويُقال كذلك: إنها مأخوذة من الفعل اليوناني (deplone) حيث كانت تختم بها جوازات السفر، ورخص المرور على طرق الامبراطورية الرومانية، وقوائم المسافرين، والبضائع على صفائح  معدنية ذات وجهين مطبقين، ومخيطين معا بطريقة خاصة، وتشمل كلمة (دبلوما) وثائق رسمية أُخرى غير معدنية([2]). وقد كان الرؤساء والحكام يستخدمونها في مراسلاتهم الرسمية، أما الرومان فقد استخدموها بشكل مختلف، للدلالة على الوثائق المعدنية عوضا من جوازات السفر والاوراق الرسمية، وقد إتسع مفهوم (الدبلوماسية) ليشمل: الاتفاقيات، والمعاهدات، ولم تتضمن معنى التنظيم، أو إدارة، ولم تستتخدم بمعناها الذي استخدم للتعبير عن إدارة (العلاقات الدولية) إّلا في القرن السابع عشر([3]).
وجاء في موسوعة العلوم الاجتماعية الفرنسية: (فقد كانت الدبلوماسية تعد وسيلة للاتصال والتفاهم ما بين الجماعات السياسية المجاورة في العصور القديمة) كذلك كانت موجودة اثار تدل على الممارسة الدبلوماسية المنقوشة على الالواح الاشورية، وكذلك كانت موجودة في التاريخ الصيني، والهندي، والإغريقي، والروماني غير أنه لم تكن هنالك مباشرة بينها وبين الكنيسة كما هو حال تعامل الكنيسة الرومانية مع المبعوثين([4]). علما أن الجماعات القديمة عرفت الدبلوماسية عَبر تبادل الوفود، وإقامة العلاقات الودية، وارسال المبعوثين؛ وذلك لإجراء المفاوضات، وحل النزاعات، والمساهمة في إنهاء الحروب او تكوين التحالفات، واستعراض القوة([5]).
وهذا ما نلاحظه في:
- الدبلوماسية عند الاغريق: إذ نشأت الدبلوماسية ما بين دويلات المدن اليونانية بحكم تقاربها، والعلاقات التجارية بينها كما وضعوا الحصانة الدبلوماسية التي تقضي بمعاملتهم معاملة لائقئة، وكذلك معاملة حاشيتهم، ومرافقيهم طيلة مدة بقائهم، وحتى انتهاء مهامهم الدبلوماسية([6]).
كما كان يشارك ممثلو دويلات المدن في الاجتماعات والمؤتمرات لطرح مشكلات مدنهم، ووضع الحلول المناسبة لها وكان يتم تبادل السفراء واختيارهم وفقا لصفات نبيلة([7]).
إن من خصائص الدبلوماسية الاغريقية: إّنها كانت لا تتصف بالتمثيل الدائم، إذ تقوم مجالس الشعب، أو الجمعية المدنية بتفويض المبعوثين بصفة مؤقتة، وتسلم خطاب اعتمادهم واستقبالهم، ولا يسمح لهم بقبول الهدايا طوال مرحلة التزامهم بالمهام الدبلوماسية، إذا علمنا إنه كان للسفراء حصانات فلا يخضعون لسلطة القضاء الجنائي والمدني والمحلي في البلد الذي يوفدون إليه([8]) وهي خصائص لا يزال معمولًا بها في الدبلوماسية إلى يومنا هذا.
والدبلوماسية عند الاغريق مرت بثلاث مراحل، هي:
المرحلة الاولى: وهي (مرحلة المنادين) الذين كانوا يرفعون الأعلام البيضاء، إذ كان المنادي يعد رسولا لإعلان رغبة مرسلة سواء كان ملك أو أمير، أي يتخذ صفة (الزعامة) ويجب أن تتوفر فيه الشروط أو الصفات الآتية (القوة الذاكرة، ودقتها، والصوت المرتفع، والوضوح).
المرحلة الثانية: (مرحلة الخطباء) وهم يعدون درجة متقدمة عن درجة حملة الأعلام، إذ يتم اختيارهم من الفلاسفة والحكماء، ويعدون بمرتبة الخطيب الدبلوماسي.
المرحلة الثالثة: مرحلة (ازدهار المدينة) وهي مرحلة تقترب من التمثيل الدبلوماسي الدائم، حيث كانوا في تلك المرحلة يحصلون على (حصانة السفراء) التي نعرفها اليوم في العلاقات الدولية و لكن هناك من سبق اليونايين و الرومانين في التعرف إلى الدبلوماسية، وتعاطيها وممارستها وقد تجسد ذلك في المجتمعات البدائية، إذ كانت ترسل موفديها لتمثيل الحكام في مهمة التفاوض، على الرغم من أن الحروب لازمت تلك المجتمعات حتى صارت صفة لحياتها، تخللتها مدة سلم، وهدنة غير إن الموفدين كانوا يتولون مسألة إجرائها أو أحيانا تكون مهمتهم لغرض التعاون والتحالف وذلك لتوفير الحماية للحياة التي يحيونها([9]). أما الرومانيون فقد ورثوا الدبلوماسية عن اليونان، ووصلت الدبلوماسية عندهم الى مرحلة متطورة. لكن تلك الدبلوماسية قامت على إخضاع الشعوب والسيطرة عليهم، وارغامهم على الانصهار في البوتقة الرومانية، حيث كان مجلس الشيوخ الروماني هو من يدير السياسة الخارجية للاباطرة، وحق تدبير السياسة لكن بعد استشارة المجلس، والعمل على إنشاء ديوان خاص للشؤون الخارجية، إذ تركزت مهامه برعاية العلاقات القانونية ما بين روما والدول الاجنبية، فضلا على قرارات مجلس الشيوخ وقتي السلم والحرب، وكان من عادة السفراء عند عودتهم أن يعمدوا إلى تقديم تقريرمفصلٍ الى المجلس حيث تقع على المجلس مسؤولية الإجابة عنه أما بالرفض إمّا بالقبول وكان السفراء يتمتعون في الإمبراطورية الرومانية بالحصانات، وكذلك موظفوهم، لكن ذلك لم يشمل خدمهم ومراسلاتهم وإن من يقدم منهم على مخالفة القانون الروماني يرسل الى بلده ليتولى محاكمته، ومحاسبته على ما اقترفه([10])ولم تكن المفاوضات ضمن الاساليب المألوفة لدى الرومانين في تواصلهم مع الشعوب، إذ كانوا يقدمون مبدأ (الاخضاع، والقوة، والاسلوب العسكري) على المفاوضة٠ لكن يعود لهم الفضل في إنشاء ما عُرِف (بأمناء المحفوظات المدربين)، كما أنهم سبقوا الشعوب بمعرفة روح القوانين، فضلا على إنهم أعدّوا موظفين مختصين في السوابق الدولية، والإجراءات، والمراسم الدبلوماسية([11]).
- الدبلوماسية في بلاد الرافدين والنيل: تعد حضارتي كل من وادي الرافدين والنيل من آوائل الأمم التي تعاطت الدبلوماسية، وكتبت أتفاقياتها، ومعاهدتها مثل المعاهدة التي عقدت ما بين الملك (نرام سين) والملك العيلامي (خيتا) (2291_2235 ق. م)، وقد اكد الملك العيلامي أن (عدو نرام سين هو عدوي، وصديق نرام سين هو صديقي) ([12])كما أن الدلائل التاريخية تشير الى وجود: رسائل متبادلة ما بين وداي الرافدين، ووادي النيل و فراعنة الاسرة الثامنة عشر التي حكمت مصر بين (1500_1400 ق. م)، وملوك بابل في العراق، وسورية، وفلسطين وقد كتب معظمها بلغة البابلية المسمارية التي كانت بلغة السائدة أنذاك([13]
- الدبلومسية في الهند والصين: تعد الدبلوماسية في الصين والهند مقترنة بشروط فمن يمثل دبلوماسية البلد أن يكون على جانب من الخلق، والسمعة الطيبة، وأن يكون مؤهلا ليمثل؛ بلاده ويرفع رايتها في البلدان الأخرى كما يجب عليه أن يفهم لغة الاشارة التي تبديها ملامح محدثه، ويقوم بالتحري عن المعلومات التي تخفيها البلاد المضيفة، وأن يتولى مهمة تهيأة الاجواء لتنظيم المعاهدات، وأخيرا إنّ من يمتلك ذاكرة قوية يستند إليها في تأدية مهامه([14]) ففي الصين وبعض أجزاء آسيا ارتبطت (الدبلوماسية) بنظرتهم الفلسفية، واسبغت عليها هالة من القدسية النابعة من الديانة البوذيةُّ ولها مبادئ معينةٍ، خاصة في مجال عقد المعاهدات الدبلوماسية، وتبادل المبعوثين([15]) لقانون (مانو) الذي انتشر في الهند العام (1000 ق. م)، الذي ضم عدة فقرات تخص السياسة ([16])


المصادر
([1]) علي حسين الشامي، الدبلوماسية نشأتها وتطورها وقواعدها ونظام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، دار الثقافة، الطبعة الثالثة، عمان، 2007، ص31. وينظر أيضا: صباح طلعت قدرت، الوجيز في الدبلوماسية والبرتوكول، وزارة الخارجية العراقية الدائرة الصحفية، جمهورية العراق، ط الثالثة، 2013، ص 11.
([2]) فاضل زكي محمد، الدبلوماسية في عالم متغير، دار الحكمة، بغداد، 1992، ص25. وينظر أيضا: عدنان البكري، العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، كاظمة للنشر والتوزيع، المؤسسة الجامعة لدراسات، الكويت، ط الاولى، 1986، ص38.
([3]) فاضل زكي محمد، الدبلوماسية في عالم متغير، المصدر نفسه ، ص25، وينظر أيضا: عبد الفتاح الرشدان ومحمد خليل الموسى، اصول العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، المركز العلمي لدراسات السياسية، عمان، ط، 2005، ص15.
([4]) علي حسين الشامي، الدبلوماسية نشأتها وتطورها وقواعدها ونظام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، مصدر سبق ذكره، ص58.
([5]) عبد الفتاح علي الرشدان ومحمد خليل الموسى، اصول العلاقات الدبلوماسية و القنصلية، مصدر سبق ذكره، ص31_32.
([6]) صباح طلعت قدرت، الوجيز في الدبلوماسية والبرتوكول، مصد سبق  ذكره، ص16.
([7]) صباح طلعت قدرت، الوجيز في الدبلوماسية والبرتوكول المصدر نفسه، ص16، وينظر أيضا: جعفر عبد السلام، قانون العلاقات الدبلوماسية و القنصلية، رابطة الجامعة الإسلامية، القاهرة، 2000، ص16.
([8]) علي حسين الشامي، الدبلوماسية نشأتها وتطورها وقواعدها ونظام الحصانلت والامتيازات الدبلوماسية، مصدر سبق ذكره، ص71.
([9]) علي حسين الشامي، الدبلوماسية نشأتها وتطورها وقواعدها ونظام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، المصدر نفسه، ص68_69، وينظر أيضا: علي صادق ابو هيف، القانون الدبلوماسي والقنصلي، دار المعارف الاسكندرية، ط الثانية، 1962، ص79_80.
([10]) علي حسين الشامي، الدبلوماسية نشأتها وتطورها وقواعدها ونظام الحصانلت والامتيازات الدبلوماسية، مصدر سبق ذكره، ص74_76_77، وينظر أيضا: عبد الفتاح علي الرشدان ومحمد خليل موسى، اصول العلاقات الدبلوماسية و القنصلية، مصدر سبق ذكره، ص36.
([11]) علي صادق ابو هيف، القانون الدبلوماسی والقنصلي، مصدر سبق ذكره، ص81، وينظر أيضا: جعفر عبد السلام، قانون العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، مصدر سبق ذكره، ص14، وينظر عدنان البكري العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، ص22_23.
([12]) فاضل زكي محمد، الدبلوماسية في عالم متغير، مصدر سبق ذكره، ص43
([13]) شفيق عبد الرزاق السامرائي، الدبلوماسية، دار الكتب الوطنية، بنغازي، ط2002، ص34، وينظر أيضا: فاضل زكي محمد، الدبلوماسية في عالم متغير، مصدر سبق ذكره، ص. 43، وينظر أيضا: جعفر عبد السلام، قانون العلاقات الدبلوماسية و القنصلية، مصدر سبق ذكره، ص20.
([14]) فاضل زكي محمد، الدبلوماسية في عالم متغير، مصدر، سبق ذكره، ص35. وينظر أيضا: عدنان البكري، العلاقات الدبلوماسية و القنصلية مصدر سبق ذكره، ص20.
([15]) علي حسين الشامي، الدبلوماسية، نشأتها وتطورها و قواعدها ونظام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، مصدر سبق ذكره، ص 66_67. وينظر عبد الفتاح علي الرشدان ومحمد خليل الموسى، اصول العلاقات الدبلوماسية و القنصلية، مصدر سبق ذكره، ص33.
([16]) شفيق عبد الرازق السامرائي، الدبلوماسية، مصدر سبق ذكره، ص45، وينظر: أيضا علي حسين الشامي، الدبلوماسية، نشأتها وتطورها و قواعدها ونظام الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، مصدر سبق ذكره، ص66_67.


مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!