Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

كيف تنعكس توازنات بغداد المتغيرة على كركوك؟

الأحد، 26 أبريل 2026 1 دقائق للقراءة
كيف تنعكس توازنات بغداد المتغيرة على كركوك؟

بقلم: سيرجان شاليشكان*

تُعد محافظة كركوك في مقدمة الولايات التي تُحس فيها التطورات السياسية، والأزمات الأمنية، والانكسارات المجتمعية في العراق بشكل مكثف. كما أثرت التحولات الإقليمية التي ظهرت في أعقاب الحرب بين (الولايات المتحدة/إسرائيل) وإيران بشكل مباشر على المعادلة السياسية في كركوك. فالمواقع الجديدة التي لُحظت في سياسة بغداد بعد وقف إطلاق النار لم تقتصر على المستوى المركزي فحسب، بل انعكست أيضاً على المحافظات الحساسة مثل كركوك. وفي واقع الأمر، برز انتخاب رئيس الجبهة التركمانية العراقية، محمد سمعان آغا، محافظاً لكركوك في 16 نيسان/أبريل 2026، كأحد الانعكاسات الملموسة لهذه التحولات الإقليمية والسياسية على المستوى المحلي.

من بغداد إلى كركوك: الانعكاسات المحلية للتحالفات

من حقائق العراق أن المعادلة السياسية في كركوك تتحدد إلى حد كبير من خلال العلاقات المتبادلة والمساومات السياسية التي تتشكل في بغداد. وفي هذا السياق، يلعب توزيع المقاعد في مجلس المحافظة وتموضع الفاعلين داخل هذا التوزيع دوراً حاسماً. يتألف مجلس محافظة كركوك من 16 عضواً: سبعة أكراد (خمسة من الاتحاد الوطني الكردستاني واثنان من الحزب الديمقراطي الكردستاني)، وستة عرب (اثنان منهم من حزب تقدم)، وتركمانيان، ومسيحي واحد. وضمن هذا المشهد، تبرز أسماء مثل بافل طالباني، ومحمد الحلبوسي، ومسعود بارزاني كجهات فاعلة في عكس توازنات بغداد السياسية على كركوك.

ويبدو أن بنية التحالف التي تشكلت خلال عملية انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية في سياسة بغداد التي تسارعت بعد وقف إطلاق النار، قد انعكست مباشرة على كركوك. ومن المفهوم أنه في هذه العملية، التقى الحلبوسي وطالباني على الخط نفسه؛ كما قدم بعض الفاعلين القريبين من محمد شياع السوداني والذين يقفون على مسافة من نوري المالكي داخل الإطار التنسيقي الشيعي دعماً غير مباشر لهذا المشهد. ويُلاحظ أن التحالف ذاته استمر في كركوك، حيث تشكلت إرادة مشتركة لترك منصب المحافظ للتركمان. وبالفعل، كان دعم الحلبوسي وطالباني لزعيم الجبهة التركمانية "سمعان آغا" كافياً لحصوله على أغلبية التسعة مقاعد المطلوبة لتحديد المحافظ؛ إلا أن انتخابه بـ 14 صوتاً يظهر أن المجموعات العربية وحركة بابليون (المعروفة بقربها من إيران) قد انضمت أيضاً إلى هذا التوافق.

أما المعارضة الأوضح لهذا المشهد فقد جاءت من الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP). فالحزب الذي اصطف ضد التحالف نفسه في كركوك كما فعل في انتخابات رئاسة الجمهورية في بغداد، عارض بوضوح إعطاء منصب المحافظ لشخصية تركمانية. ومع ذلك، لم ينتج عن هذا الاعتراض نتائج ملموسة، وظل الحزب الديمقراطي الكردستاني خارج العملية في كركوك تماماً كما حدث في بغداد. ورغم ذلك، يجب عدم قراءة المكاسب والخسائر الحالية على المدى القصير؛ فبالنظر إلى ممارسة "المحافظة الدورية" في كركوك والبنية متعددة الأطراف، من المتوقع أن تنضم المكونات المختلفة إلى الإدارة بمرور الوقت. لذا، فإن العامل الحاسم الحقيقي هو كيفية تشكل التحالفات المركزية في بغداد وإلى أي مدى توجه هذه التحالفات السياسة المحلية. وتبرز حالة كركوك كواحدة من أوضح الأمثلة التي تبين كيف تُنقل التحولات الإقليمية إلى المستوى المحلي عبر بوابة بغداد.

مساعي طالباني والحلبوسي للتموضع في ظل التوازنات المتغيرة

أحد العناوين البارزة في التطورات الأخيرة هو بدء انعكاس سياسات طالباني المتحولة في السياسة المركزية على كركوك. فطالباني، الذي يرغب في الحفاظ على المكاسب التي حققها في بغداد وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية، يسعى لقراءة موازين القوى الحالية بشكل صحيح وبناء تحالفات مناسبة لها. ومع ذلك، فإن قراءة هذه العملية ضمن حدود السياسة الداخلية العراقية فقط ستكون غير كافية؛ إذ إن التغيير في التوازنات الإقليمية بعد 7 أكتوبر 2023، وخاصة التراجع النسبي في قدرة إيران على التأثير، أثر بشكل مباشر على مساحة حركة الاتحاد الوطني الكردستاني. وفي هذا الإطار، يُلاحظ أن الاتحاد الوطني يحاول الحصول على موقع أكثر فاعلية في السياسة المركزية من خلال تنويع علاقاته مع الفاعلين الإقليميين، بما في ذلك دول الخليج. ويمكن تقييم التنازل عن منصب المحافظ في كركوك (على الأقل على المدى القصير) كجزء من هذا التوجه الاستراتيجي الأوسع.

وينطبق سعي مماثل لإعادة التموضع على الحلبوسي أيضاً. فالحلبوسي كان أحد الفاعلين الذين لعبوا دوراً في انتخاب "ريبوار طه" (مرشح الاتحاد الوطني) محافظاً لكركوك خلال الاجتماعات التي عقدت في فندق الرشيد ببغداد في تشرين الأول/أكتوبر 2024 ولم تُنشر تفاصيلها للرأي العام. ولن يكون كافياً تفسير التغير في سياسته هذه المرة نحو ترك منصب المحافظ للتركمان بالديناميكيات المحلية فقط؛ فآثار التآكل في النفوذ الإقليمي الإيراني، والأهمية المتزايدة للعلاقات مع الخليج، والنهج الدبلوماسي متعدد الأطراف الذي تتبعه تركيا في العراق، هي عناصر دفعت الحلبوسي – مثل طالباني تماماً – إلى إعادة تموضعه في كل من بغداد وكركوك.

وعند التقييم ضمن هذا الإطار، لا ينبغي قراءة انتخابات المحافظ في كركوك كمجرد تطور سياسي محلي، بل كانعكاس لموازين القوى التي تتشكل في بغداد على أرض الواقع. لقد خلقت العملية السياسية التي تسارعت بعد وقف إطلاق النار أرضية يتم فيها إعادة تعريف التحالفات وتحديث الفاعلين لمواقعهم؛ وقد أنتجت هذه الأرضية نتائج ملموسة في محافظات حساسة مثل كركوك. وبينما أظهر التعاون الذي تشكل على محور الحلبوسي وطالباني مشهداً بقي فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني في الخارج واتحدت فيه مكونات مختلفة، فإن هذا الوضع يحمل في طياته أيضاً إشارات لتحول أوسع في السياسة العراقية. وبناءً عليه، تبرز كركوك كساحة انعكاس لإعادة هيكلة سياسية أكبر توجهها التطورات الإقليمية والتحالفات التي تتخذ من بغداد مركزاً لها، وليس مجرد توازنات محلية.

 

مركز دراسات الشرق الأوس، أورسام



مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!