هل يتحول شرق المتوسط إلى جبهة إسرائيلية جديدة ضد تركيا؟
إليس جيفوري
أظهر اجتماعان عُقدا بشكل متزامن تقريباً
في نهاية ديسمبر الماضي، صورة صارخة للرؤى الاستراتيجية المتنافسة التي تشكل الآن
منطقة شرق المتوسط وبلاد الشام.
في دمشق، التقى قادة الخارجية والدفاع والاستخبارات الأتراك بمسؤولين سوريين في 22 ديسمبر، مع استمرار أنقرة في إعطاء الأولوية لترسيخ سلطة الدولة والاستقرار بعد سقوط حكومة بشار الأسد في سوريا.
وفي اليوم نفسه، استضافت إسرائيل اليونان وقبرص في أحدث نسخة من إطار عملهم الثلاثي. وقبل يومين من ذلك الاجتماع، شنت إسرائيل هجوماً جوياً آخر على سوريا – وهو واحد من أكثر من 600 ضربة في عام 2025 – في تذكير لأنقرة ودمشق بأن إسرائيل مستعدة لعرقلة تعافي سوريا من الحرب.
وبينما تم تأطير الأجندة الثلاثية بين إسرائيل واليونان وقبرص رسمياً حول التعاون في مجال الطاقة والربط الإقليمي، إلا أنها توسعت باطراد لتشمل التنسيق الأمني والاصطفاف العسكري، مما يشير إلى تحول من التنافس الاقتصادي إلى الاحتواء الاستراتيجي.
بالنسبة لـ "جيم غوردينيز"، وهو أميرال متقاعد وأحد مهندسي عقيدة "الوطن الأزرق" البحرية التركية التي تدعو أنقرة لحماية مصالحها في البحار المحيطة (إيجة وشرق المتوسط والبحر الأسود)، فإن الاجتماع كان محاولة "لإقصاء وتطويق تركيا".
ويصف غوردينيز النهج الإسرائيلي بأنه استراتيجية احتواء غير مباشرة لا تهدف إلى المواجهة بل إلى تغيير سلوك أنقرة. وصرح للجزيرة قائلاً: "الهدف ليس الحرب، بل تغيير السلوك – تضييق المساحة الاستراتيجية لتركيا لحثها على الانسحاب دون صراع"، محذراً من التعامل مع هذا المواجهة كمجرد منافسة روتينية على الطاقة.
بالنسبة لإسرائيل، يعكس الإطار الثلاثي قلقاً من النهج التركي في سوريا، الذي يمنح الأولوية لوحدة الأراضي واستعادة السلطة المركزية – وهي نتيجة تتعارض مع تفضيل إسرائيل لمشهد أمني إقليمي مجزأ.
من جهتها، ترى اليونان وقبرص في هذه الشراكة وسيلة لتعزيز مطالبات الحدود البحرية وممرات الطاقة التي من شأنها تهميش دور تركيا في شرق المتوسط.
ويقول مظفر شينيل، الباحث الزائر في الدراسات الأوروبية بجامعة مرمرة، إن التعاون الأمني والعسكري يشكل الآن ركيزة مركزية للأجندة الثلاثية. وأضاف للجزيرة: "سعت الأطراف الثلاثة إلى خلق أمر واقع عبر مبادرات أحادية الجانب في المنطقة تجاه ما يعتبرونه خصماً مشتركاً: تركيا".
مناورة إسرائيل
لم يكن قرار عقد الاجتماع الثلاثي في إسرائيل عرضياً، بل عكس ضيق المساحة الدبلوماسية المتاحة للقيادة الإسرائيلية مع تعمق عزلتها الدولية بسبب حرب الإبادة الجماعية في غزة.
ومع مواجهة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أصبحت قدرته على السفر إلى الخارج مقيدة بشكل متزايد، خاصة إلى الدول الموقعة على ميثاق المحكمة مثل اليونان وقبرص.
الحكومة اليونانية، رغم أنها لم ترفض مذكرة الجنائية الدولية ضد نتنياهو (والتي شملت أيضاً وزير الدفاع السابق يوآف غالانت)، قالت إن "هذه القرارات لا تساعد". كما أشارت قبرص إلى أن مذكرات المحكمة ملزمة، ولم يعلن أي منهما علناً أنهما لن ينفذا المذكرات.
لذا، فإن استضافة الزعيمين اليوناني والقبرصي في إسرائيل لم يكن مجرد خيار لوجستي، بل عَرَضاً لكيفية إعادة تشكيل الضغوط القانونية والدبلوماسية لنظرة إسرائيل ودفعها نحو تحالفات متمحورة حول الأمن.
في الوقت نفسه، عمل الاجتماع على إعادة تصوير تركيا كـ "مشكلة إقليمية" عبر إشارات عثمانية مشفرة وسرديات الطموح التوسعي، بهدف تآكل مصالح أنقرة في شرق المتوسط.
فبوقوفه إلى جانب رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، حذر نتنياهو – المدافع القديم عن "إسرائيل الكبرى" – من أن "أولئك الذين يتوهمون أن بإمكانهم إعادة تأسيس إمبراطورياتهم وسيطرتهم على أراضينا" يجب أن "ينسوا ذلك"، وهي ملاحظة فُسرت على نطاق واسع بأنها إشارة إلى تركيا.
وباعتبارها دولة شبه جزيرة، تمتلك تركيا أكثر من 8300 كيلومتر من الخط الساحلي. وتجادل اليونان بأن جزرها في بحر إيجة، والتي يقع الكثير منها قبالة الساحل التركي مباشرة، تولد مناطق اقتصادية خالصة خاصة بها (EEZ)، مما يمدد المطالبات البحرية حتى 200 ميل بحري. ترفض أنقرة ذلك، قائلة إن الجزر لا يمكنها إنشاء مناطق اقتصادية خالصة كاملة وأن الحدود يجب أن تُرسم من البر الرئيسي.
قبرص هي نقطة اشتعال أخرى، حيث تظل الأزمة قائمة منذ تدخل تركيا عام 1974 كقوة ضامنة بعد انقلاب لقبارصة يونانيين. وفي عام 2004، أيد الشمال خطة الأمم المتحدة لتوحيد الجزيرة، لكن الجنوب الذي تديره اليونان رفضها، مما ترك الصراع دون حل.
في شرق المتوسط، منحت هذه القضايا الإقليمية الخلافية إسرائيل فرصة للتدخل وزيادة تأجيج التوترات. فقد سعت اليونان بشكل خاص إلى الاستفادة من علاقات إسرائيل الوثيقة مع واشنطن لتأمين دعم دبلوماسي في نزاعات الحدود البحرية الطويلة.
ورغم عدم توقيع اتفاقية دفاع جماعي رسمية، إلا أن التعاون رفيع المستوى يتحرك نحو إطار أمني مؤسسي بشكل أكبر. وأشار شينيل إلى أن إشراك الولايات المتحدة كـ "شريك ذو تفكير مماثل" ضمن ما يسمى بصيغة (3+1) "يوجه بوضوح رسالة استراتيجية موجهة إلى تركيا".
محور ناشئ مناهض لتركيا
لم تتأثر العلاقات بين اليونان وقبرص وإسرائيل بحرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة التي بدأت في أكتوبر 2023. وخلافاً لعدة دول أخرى في الاتحاد الأوروبي دعت إلى فرض عقوبات على إسرائيل، ظلت اليونان وقبرص صامتتين إلى حد كبير بينما وسعتا التعاون معها.
في ديسمبر، وافق البرلمان اليوناني على شراء 36 نظام مدفعية صاروخية "PULS" من إسرائيل مقابل حوالي 760 مليون دولار. كما يتقدم البلدان نحو اتفاقية دفاع كبرى تقدر بـ 3.5 مليار دولار لبناء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات لليونان. وفي سبتمبر 2025، تسلمت قبرص أيضاً نظام دفاع جوي إسرائيلي الصنع.
صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تركيا "لن تسمح بانتهاك حقوقها في بحر إيجة والمتوسط"، دون تسمية الدول الثلاث أو الإشارة مباشرة إلى اجتماعهم. وسعى المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، العميد زكي أكتورك، إلى التقليل من شأن الاجتماع الثلاثي، مشيراً إلى أنه "لا يشكل تهديداً عسكرياً لتركيا".
من جانبها، شرعت تركيا في أكبر عملية شراء بحرية لها بتكلفة تقدر بنحو 8 مليارات دولار، مع وجود 31 سفينة قيد البناء في عام 2025 وحده للدفاع عن مصالحها، مدفوعة بالمناوشات مع اليونان عام 2020.
النهج الإقليمي لتركيا
يحذر المحللون من أن استجابة تركيا "المحسوبة" قد تسيء تقدير نمط أوسع من الاستفزازات الإسرائيلية في مسارح متعددة؛ من سوريا إلى شرق المتوسط، وصولاً مؤخراً إلى الصومال بعد اعتراف إسرائيل بمنطقة "أرض الصومال" الانفصالية.
في سوريا، يُنظر إلى القصف الإسرائيلي للقصر الرئاسي ووزارة الدفاع في دمشق في يوليو الماضي كمحاولة لإضعاف الحكومة السورية في لحظة انخراط دبلوماسي متجدد. وحذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في ديسمبر من أن قوات سوريا الديمقراطية (SDF) التي يقودها الأكراد كانت "بالتنسيق مع إسرائيل" لعرقلة استقرار سوريا.
يرى الأميرال المتقاعد جيم غوردينيز أن النتيجة هي "نموذج ضغط مزدوج يرهق ويشتت تركيا، ويحول كل خطوة إلى أزمة محتملة ويؤدي لتآكل مبادرتها تدريجياً".
ويقترح أندرياس كريج، الأستاذ المشارك في دراسات الأمن بكينجز كوليدج لندن، أن على تركيا التوقف عن اعتبار ذلك مجرد احتكاكات عابرة والتعامل معها كمحاولة إسرائيلية متعمدة لتشكيل نظام "ما بعد الأسد" في سوريا مع تضييق الخناق في المتوسط.
وأضاف كريج أن تهديدات إسرائيل لزعزعة
استقرار سوريا والصومال واليمن قد تمنح أنقرة فرصة للتقارب مع دول كانت علاقتها
بها متوترة سابقاً، مثل السعودية ومصر، اللتين تشعران أيضاً بالتهديد من النفوذ
الإسرائيلي.
خلص كريج إلى أن "الخطر الاستراتيجي على تركيا يكمن في التدرج؛ ويجب أن يكون هدف أنقرة صريحاً: منع اقتطاع أمني إسرائيلي دائم في جنوب سوريا، ومنع نشوء نظام في شرق المتوسط يتم فيه محاصرة أنقرة".
المصدر: الجزيرة
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!