Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

جزيرة خرج وأهميتها الاستراتيجية

و
وحدة الترجمة – ملتقى النبأ للحوار
الجمعة، 03 أبريل 2026 1 دقائق للقراءة
جزيرة خرج وأهميتها الاستراتيجية

عصمت خوراسانلي

في 13 مارس 2026، شنت الولايات المتحدة هجوماً جوياً على جزيرة خرج الإيرانية. ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في بيان نشره عبر منصة تروث سوشيال، هذه العملية بأنها واحدة من أكبر الهجمات في تاريخ الشرق الأوسط. وأشار إلى أنه تم تدمير جميع المنشآت العسكرية الموجودة في الجزيرة نتيجة الهجوم. كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في بيان لها أنه تم ضرب أكثر من 90 هدفاً عسكرياً في الجزيرة، إلا أنها أفادت بأن المنشآت النفطية لم تتضرر.

وعقب الحادثة، أعلن الحرس الثوري الإيراني في بيان أنه في حال استهداف المنشآت النفطية، فسوف يستهدف جميع منشآت الطاقة التابعة للولايات المتحدة أو التي تشارك فيها شركات أمريكية. وبعد يوم واحد من الهجوم على جزيرة خرج، صرح ترامب في مقابلة مع NBC News بإمكانية مهاجمة الجزيرة مرة أخرى، واصفاً ذلك بأنه "أمر ممتع". ومن جهة أخرى، تم الإعلان أيضاً عن إرسال حاملة الطائرات الأمريكية USS Tripoli المتمركزة في اليابان وطاقمها إلى الخليج. أما رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، فقد صرح في 25 مارس بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان لمهاجمة إحدى الجزر التابعة لإيران بمساعدة دولة مجاورة. وقد أدت هذه التطورات إلى إثارة نقاشات حول احتمال إنزال القوات الأمريكية في إيران، وأعادت طرح أهمية الجزر الواقعة في جنوب إيران، وعلى رأسها جزيرة خرج. وقد وصف ترامب جزيرة خرج في تصريحه بأنها "جوهرة التاج" لإيران. فماذا يجعل هذه الجزيرة، التي تُوصف بأنها جوهرة التاج الإيرانية، بهذه الأهمية؟

الأهمية الاستراتيجية لجزيرة خرج

جزيرة خرج التابعة لمحافظة بوشهر الإيرانية تقع على بعد 34 كيلومتراً من الساحل الرئيسي، وتبلغ مساحتها حوالي 20 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها نحو 8 آلاف نسمة. أما العامل الأساسي الذي يحدد الأهمية الاستراتيجية للجزيرة فهو أن حوالي 90% من النفط الإيراني يتم تصديره عبر هذه الجزيرة. تقع جزيرة خرج بالقرب من مصافي النفط الواقعة في جنوب البر الرئيسي الإيراني. فعلى سبيل المثال، تبعد مصفاة أبوذر النفطية، وهي واحدة من أكبر المنشآت الإيرانية، مسافة 75 كيلومتراً فقط عن الجزيرة. وما يميز الجزيرة عن غيرها من الجزر المحيطة هو عمق المياه المحيطة بها، الأمر الذي يسمح لناقلات النفط العملاقة بالرسو بسهولة.

وبسبب هذه الخصائص الاستراتيجية، كان تحويل جزيرة خرج إلى مركز لتخزين وتصدير النفط مطروحاً على أجندة البلاد حتى قبل الثورة الإيرانية. وفي هذا الإطار، بدأ مشروع أول ميناء في الجزيرة عام 1958، كما يعود بناء الرصيف الشرقي إلى تلك الفترة. وفي الوقت الحالي، يوجد في الجزيرة ميناءان رئيسيان هما الرصيف الشرقي والرصيف الغربي. ويتيح الرصيف الشرقي، الذي تبلغ سعته 275 ألف طن، رسو 6 ناقلات في الوقت نفسه، بينما يسمح الرصيف الغربي برسو 4 ناقلات في آن واحد. وبذلك يمكن تحميل 10 ناقلات في الوقت نفسه من الجزيرة. وتمتلك جزيرة خرج، بفضل 40 منشأة تخزين فيها، قدرة تخزينية تبلغ حوالي 20 مليون برميل، وقدرة تصديرية تصل إلى 5 ملايين برميل يومياً. إلا أن صادرات إيران اليومية بقيت عند مستوى لا يتجاوز 3 ملايين برميل بسبب العقوبات.

إن امتلاك الجزيرة لهذه القدرة الاستراتيجية الكبيرة، وكون 90% من صادرات النفط الإيراني تتم عبرها، أدى من جهة إلى وجود ثغرة أمنية، ومن جهة أخرى جعل فكرة احتلال الجزيرة تُطرح على الأجندة بين الحين والآخر بسبب إمكاناتها الكبيرة. في الواقع، فإن تصريحات ترامب بشأن جزيرة خرج لا تقتصر على الحرب الحالية فقط. ففي عام 1988، وأثناء استمرار الحرب الإيرانية العراقية، أدلى ترامب بتصريحات لافتة حول جزيرة خرج في مقابلة مع صحيفة ذا غارديان، حيث قال إنه لو كان رئيساً فسوف يستولي على جزيرة خرج. ويجب تقييم هذه التصريحات في ضوء ظروف تلك المرحلة. فبين عامي 1984 و1988 شهد الخليج العربي توتراً كبيراً عُرف باسم "حرب الناقلات". وفي هذا السياق، قام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بمهاجمة ناقلات النفط الإيرانية بهدف قطع طرق تمويل إيران، في حين استهدفت طهران ناقلات النفط التي تمر عبر الخليج تحت شعار "إذا لم نستطع بيع النفط فلن يبيعه أحد". وخلال هذه الفترة، واجهت القوات الأمريكية والإيرانية بعضها البعض بشكل مباشر 12 مرة أثناء محاولة الولايات المتحدة تأمين نقل الطاقة في المنطقة. ورداً على استهداف إيران للناقلات الأمريكية، قامت الولايات المتحدة بقصف منشآت النفط الإيرانية.

وخلال فترة الحرب الإيرانية العراقية أيضاً، كانت جزيرة خرج تتعرض للهجمات بشكل متكرر. فقد شن صدام حسين 2840 هجوماً على جزيرة خرج بهدف قطع طرق تمويل إيران. إلا أنه لم يتمكن من إيقاف تدفق النفط إلى الجزيرة لأن خطوط الأنابيب المؤدية إليها كانت تمر تحت البحر. أما في الوقت الحالي، فيبدو أن التاريخ يعيد نفسه. فمن جهة، تريد إيران، بسبب الأضرار التي تعرضت لها، أن تتضرر الجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة والولايات المتحدة أيضاً من قطع هذا المسار الاقتصادي، ومن جهة أخرى تسعى الولايات المتحدة إلى السيطرة على جزيرة خرج.

وقبل حرب الـ12 يوماً، أفيد بأن مجلس الحرب الإسرائيلي ناقش خطة هجوم على جزيرة خرج. وفي 7 مارس 2026، ذكر موقع أكسيوس، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن إسرائيل والولايات المتحدة تخططان لشن هجوم على جزيرة خرج. وبالتالي، فإن جزيرة خرج تعد قضية مطروحة على أجندة الولايات المتحدة وإسرائيل منذ فترة طويلة. وسيكون لأي هجوم محتمل على الجزيرة تأثير حاسم على مسار الحرب.

النتائج المحتملة للهجوم على خرج

قبل أسبوع من الهجوم الأمريكي على المنشآت العسكرية في جزيرة خرج، نشر زعيم المعارضة الإسرائيلية ورئيس الوزراء السابق يائير لابيد عبر حسابه على منصة X أنه يجب على إسرائيل قصف جميع منشآت النفط والطاقة الموجودة في جزيرة خرج. كما صرح السيناتور الجمهوري الأمريكي البارز ليندسي غراهام عبر منصة X قائلاً: "من يسيطر على الجزيرة يحدد مصير الحرب". ومن هذه التصريحات يتضح أن جزيرة خرج أصبحت هدفاً واضحاً لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذا الإطار، يبرز خياران رئيسيان.


الخيار الأول هو استهداف منشآت النفط الموجودة في الجزيرة لقطع الشريان الطاقوي لإيران، وبالتالي قطع أهم مصدر تمويل لإيران وإجبارها على الخضوع. أما الخيار الثاني فهو انتزاع السيطرة على الجزيرة من إيران ووضعها تحت السيطرة الأمريكية، وبذلك تحصل الولايات المتحدة على جزيرة استراتيجية قريبة جداً من إيران، وفي الوقت نفسه يتم قطع التمويل الإيراني. وعلى الرغم من أن هذا الخيار يثير شهية ترامب، إلا أن كلا الخيارين يبدوان شبه مستحيلين في الواقع.

فأي هجوم على منشآت النفط والطاقة في جزيرة خرج سيؤدي بلا شك إلى رد إيراني. فقد أعلنت إيران بوضوح أنها في حال تعرضها لهجوم ستستهدف جميع منشآت الطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة. ففي الأسبوع الثاني من الحرب، عندما استهدفت إسرائيل منشآت النفط في طهران وكرج، ردت إيران بمهاجمة منشآت النفط في حيفا ومنشآت بابكو في البحرين. وبالمثل، في 19 مارس، عندما استهدفت إسرائيل منشآت عسلوية (حقل بارس الجنوبي)، ردت إيران باستهداف منشآت راس لفان في قطر، وهي أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومصفاة سامرف في السعودية على البحر الأحمر، ومصفاة الحصن في الإمارات، ومنشآت ميناء الأحمدي وميناء عبد الله في الكويت. وبعد هذه الهجمات ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بشكل سريع.

كما أدت هذه الهجمات المتبادلة إلى ارتفاع أسعار النفط بسرعة. لذلك، فإن أي هجوم على منشآت النفط في جزيرة خرج سيسبب أضراراً كبيرة لإيران، لكنه سيؤدي أيضاً إلى أضرار للولايات المتحدة وإسرائيل نتيجة الرد الإيراني. وقد أُفيد أنه رغم أن الهجوم الذي وقع في 13 مارس على جزيرة خرج استهدف منشآت عسكرية فقط، إلا أن أسعار النفط ارتفعت بنسبة تقارب 7% بعد الهجوم، وهو ما يوضح أهمية جزيرة خرج في سوق النفط العالمي.

ومن جهة أخرى، من المحتمل جداً أن يؤدي مثل هذا الهجوم إلى انتقال الحرب إلى مرحلة يتم فيها استهداف البنية التحتية المدنية، وعلى رأسها منشآت تحلية المياه. فبعد أن وجه ترامب إنذاراً مدته 48 ساعة إلى طهران في 22 مارس، أعلنت إيران أنها أعدت خريطة لمنشآت الطاقة في دول المنطقة، وأنها ستستهدف جميع منشآت الطاقة في منطقة الخليج في حال تعرض منشآتها لهجوم. ولذلك، ورغم أن هذا الخيار ممكن نظرياً، إلا أنه يحمل مخاطر كبيرة جداً. وفي المرحلة الحالية التي تسير فيها الحرب بشكل مضبوط، يبدو احتمال مثل هذا الهجوم منخفضاً، لكن في حال فقدان السيطرة على مسار الحرب، فقد يصبح هذا الخيار أحد الخيارات الأولى المطروحة بسبب قدرته على إحداث أضرار كبيرة.

أما الخيار الثاني، وهو السيطرة على الجزيرة، فيتطلب من الولايات المتحدة إنزال قوات مباشرة في الجزيرة أو فرض حصار عليها. وبالنظر إلى أن الجزيرة يسكنها حوالي 8 آلاف إيراني وأنها تبعد حوالي 34 كيلومتراً فقط عن البر الرئيسي الإيراني، فإن هذا الخيار يبدو صعباً للغاية. كما أنه بعد الهجوم على الجزيرة، توافد عدد كبير من المتطوعين الإيرانيين إلى الموانئ للذهاب إلى الجزيرة. إضافة إلى ذلك، تقع الجزيرة على بعد 480 كيلومتراً من مضيق هرمز، وتقع بين إيران والعراق والكويت. ولذلك، لا يبدو من السهل حالياً أن تصل البحرية الأمريكية إلى هذه المنطقة عبر مضيق هرمز. كما أن تنفيذ عملية عسكرية من القواعد الأمريكية في المنطقة، حيث يوجد نحو 50 ألف جندي أمريكي، سيحمل معه احتمال وقوع خسائر كبيرة. وقد يكون هذا الخيار ممكناً فقط في حال سقوط النظام الإيراني أو فقدانه القدرة على الرد. أما في حال بقاء النظام، فإنه حتى لو تم تنفيذ عملية عسكرية بإصرار من ترامب ونتنياهو رغم كل هذه الظروف غير المواتية، فمن المرجح أن يواجه الطرفان خسائر كبيرة وصعوبات غير متوقعة. إذ إن الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال قصف البنية التحتية للبلاد في الحرب الجارية، أظهرتا أن الهدف الحقيقي ليس النظام فقط، بل إيران نفسها، وهو ما أدى إلى توحيد الشعب الإيراني بشكل أكبر حول القيم الوطنية. 


المصدر: مؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية(SETA).

مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!