مشروع "ذا لاين" في السعودية: بين الطموح والتنفيذ
الكاتب: راماناث جها
قبل عقد من الزمان تقريباً، وتحديداً في عام 2017، أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خططاً لأول مشروع تطوير ضخم مستقبلي ومؤتمت بالكامل في البلاد، وهو مشروع "نيوم" (NEOM). قُدرت تكلفة هذه المبادرة التقنية العالية في البداية بنحو 500 مليار دولار أمريكي. ونظراً للظروف المناخية القاسية في السعودية، اختير موقع "نيوم" في مقاطعة تبوك لدرجات حرارتها المعتدلة نسبياً، والتي تتراوح عادةً بين صغرى شتوية تبلغ نحو 4 درجات مئوية وعظمى صيفية تصل إلى حوالي 39 درجة مئوية. وكان الهدف من ذلك هو جعل المشروع أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين، والشركات، والأفراد ذوي الملاءة المالية العالية.
وبينما أثارت التأخيرات الكبيرة وتجاوز التكاليف تساؤلات حول صياغة المفهوم العام للمشروع، فربما لم تتوقع الإدارة السعودية بشكل كامل اندلاع الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، والذي امتد منذ ذلك الحين إلى منطقة الخليج. لقد أدى هذا الصراع إلى اضطراب شديد في سلاسل الإمداد العالمية وإمدادات النفط، مع التأثير على مراكز إقليمية مثل دبي والدوحة، مما يحمل تداعيات محتملة على التطوير المستقبلي لـ "نيوم".
الرؤية الكامنة وراء "ذا لاين"
كان العنصر الأكثر إثارة للجدل والنقاش في المشروع هو درة تاجه، "ذا لاين" (The Line)؛ وهي مدينة غير تقليدية صفرية الكربون صُممت ككتلة استيطانية خطية بطول 170 كيلومتراً وعرض 200 متر فقط، وتهدف لاستيعاب تسعة ملايين شخص. تصور المشروع بيئة حضرية عالية التقنية مع بنية تحتية متطورة وجودة حياة عالمية المستوى، تشمل مرافق تعليمية ورعاية صحية وترفيهية متقدمة، إلى جانب إطار بيئي مصمم بعناية. صُمم التطوير بالكامل ليكون منطقة "خالية من السيارات الخاصة"، مع نظام تجارة حرة، وهيكل ضريبي متميز، ونموذج حوكمة يهدف إلى جذب سكان دوليين ومتعددي الثقافات وليبراليين.
خُططت البنية التحتية لـ "ذا لاين" على ثلاث طبقات: المستوى العلوي للمشاة، والمستوى الأول تحت الأرض للبنية التحتية، والمستوى الأدنى لطبقة النقل التي تضم نظام النقل العام للمدينة المصمم لقطع طولها بسرعات تصل إلى 500 كيلومتر في الساعة، مما يسمح للسكان بالوصول إلى أي نقطة داخل المدينة في غضون عشرين دقيقة تقريباً. وكان الهدف الأوسع للمشروع هو تنويع الاقتصاد السعودي المعتمد على النفط إلى قطاعات أخرى، مع تركيز خاص على النمو المدفوع بالعقارات.
كان من المتوقع أن يتطلب مثل هذا التجمع السكاني المستقبلي، بما يتضمنه من ميزات تكنولوجية متصورة، نفقات مالية هائلة. وعلاوة على ذلك، ومع طرح العديد من مكونات المشروع، لم يكن هناك "إثبات مفهوم" (Proof of Concept) قائم على أرض الواقع. لذا، لم يكن المشروع طموحاً فحسب، بل كان يتسم بقدر كبير من الجرأة.
التأخيرات، وتصاعد التكاليف، وتحديات التنفيذ
كما هو الحال غالباً مع المشاريع الضخمة واسعة النطاق، يبدو أن "ذا لاين" قد فقد زخمه في منتصف الطريق، مع وجود تأخيرات كبيرة في التنفيذ. بالإضافة إلى ذلك، جرى تقليص المشروع بشكل كبير؛ حيث تمتد المرحلة الأولى، قيد الإنشاء حالياً، على مسافة 2.4 كيلومتر، وهو ما يمثل 1.5% فقط من إجمالي الطول المخطط له. وحتى هذا القسم المحدود يتم تقسيمه إلى أجزاء أصغر قابلة للتنفيذ بشكل مستقل. لم تعلن الحكومة رسمياً عن نسخة مصغرة من المشروع، ولا يُتوقع مثل هذا الإفصاح نظراً للمخاوف المحتملة المتعلقة بالسمعة. ومع ذلك، تشير تقارير متفرقة إلى أن أولويات المشروع قد تنتقل تدريجياً نحو مجالات مثل البنية التحتية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات. وبناءً عليه، ستتم مراقبة التطورات في عام 2026 عن كثب، خاصة وأنه تم تقديم هذا العام كفترة من التقدم الملحوظ للمشروع.
وعلى الرغم من أن هذا المسعى الطموح قد انطلق في البداية بميزانية قدرها 500 مليار دولار، إلا أن "ذا لاين" ومبادرة "نيوم" الأوسع شهدتا بحسب التقارير تصاعداً كبيراً في التكاليف، حيث وضعت بعض التقديرات الإجمالي عند ما يصل إلى 8 تريليون دولار أمريكي. ويُفهم الآن أن صناع القرار السعوديين يدرسون نسخة مصغرة بشكل كبير، مع الارتفاع الحاد في رسوم الاستشارات وتكاليف البناء. وبحسب ما ورد، فإن العديد من كبار الاستشاريين والمعماريين الذين جرى استقطابهم من الغرب لم يثيروا مخاوف بشأن "قابيلة بناء" العديد من الميزات غير المختبرة. كما يُقال إن المستشارين الماليين للمشروع كانوا أقل صراحة بشأن الجدوى المالية للأفكار الكبرى التي تم اقتراحها.
نظراً لأن المشروع يعتمد بشكل كبير على التقدم الملموس على أرض الواقع والدعم المستمر من المستثمرين الأجانب والقطاع الخاص، فإن تأخيرات التنفيذ قد تضعف ثقة المستثمرين في هذا المشروع العملاق. وربما كان اتباع نهج أكثر حذراً سيسمح باستخلاص الدروس من المشاريع السعودية الضخمة السابقة التي إما جرى تقليصها أو تركت غير مكتملة. فعلى سبيل المثال، في عام 2017، أعلنت البلاد عن خطط لتطوير أكبر مشروع للطاقة الشمسية في العالم بقدرة 200 جيجاوات بحلول عام 2030، لكنه لم يتحقق بالحجم المتصور أصلاً. كما اقترحت بناء أكبر فندق في العالم، "أبراج كدي"، لكن المشروع واجه عقبات كبيرة، بما في ذلك القيود المالية وحادث إنشاءات أدى بحسب التقارير إلى مقتل 107 أشخاص. وبعد ذلك، توقف التقدم وظل شكله النهائي غير مؤكد. وفي عام 2008 تقريباً، دخلت السعودية سباق ناطحات السحاب العالمي بالإعلان عن "برج جدة"، الذي كان من المفترض أن يرتفع حوالي 180 متراً فوق "برج خليفة" (أطول مبنى آنذاك)، وكان مقرراً اكتماله في 2016؛ إلا أن البناء لا يزال مستمراً. في كل من هذه الحالات، ظهرت القيود المالية كعائق رئيسي. كانت هذه المشاريع أصغر بكثير في الحجم من "ذا لاين" وأكثر تقليدية في التصميم، ومع ذلك واجهت تحديات جوهرية.
الحدود الهيكلية لتصميم المشاريع العملاقة
على خلفية هذه النتائج، قد لا يكون التقدم البطيء والتقليص الظاهري لمشروع "ذا لاين" مفاجئاً تماماً. فالمشاريع بهذا الحجم والطموح يقل احتمال القيام بها في الأنظمة الديمقراطية، حيث يساهم تعدد أصحاب المصلحة، والعمليات التنظيمية المكثفة، والمناقصات التنافسية، والرقابة المؤسسية في صياغة عملية صنع القرار، إلى جانب المساءلة الانتخابية. وفي المقابل، يمكن للأنظمة السياسية الأكثر مركزية، في حالات معينة، تمكين اتخاذ قرار وتنفيذ أسرع، وإن كان ذلك لا يخلو بالضرورة من مخاطر أو قيود كبيرة خاصة بها.
غالباً ما ترتبط المشاريع العملاقة (Giga Projects) بأنظمة صنع قرار شديدة المركزية. الديناميكيات الكامنة واضحة نسبياً: تتركز السلطة في أعلى المستويات، مما يتيح موافقات أسرع وتنفيذاً انسيابياً. في مثل هذه السياقات، يمكن حشد القدرات المالية والإدارية على نطاق واسع، مما يسمح بتوجيه استثمارات ضخمة نحو مشاريع طموحة، تعكس أحياناً إشارات استراتيجية وأهداف تنويع طويلة المدى إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية. كما يمكن أن تعمل هذه المشاريع كتعبيرات عن الطموح الوطني والمكانة العالمية. وتقدم ناطحات السحاب حول العالم مثالاً مفيداً؛ فبرج خليفة، على سبيل المثال، بُني ليتجاوز المعايير العالمية القائمة، مما يعكس هدف دولة الإمارات في بناء أطول هيكل في العالم. ومن الجدير بالذكر أن الـ 244 متراً العلوية — أي حوالي 29% من إجمالي ارتفاعه — تعمل في المقام الأول كـ "صاري" (Spire)، وتوفر مساحة وظيفية محدودة.
في مثل هذه البيئات، قد لا تعمل "العناية الواجبة" (Due Diligence) فيما يتعلق بالمشاريع الضخمة — بما في ذلك تقييمات الجدوى المادية والاستدامة المالية والاستشارات المؤسسية المنظمة — بنفس الكثافة بمجرد اتخاذ القرارات النهائية على أعلى المستويات. ونتيجة لذلك، قد لا تحصل النقاشات المنهجية حول المخاطر والمقايضات والقيود على مساحة مؤسسية مستدامة. وفي بعض الحالات، لا تُثار المخاوف بشأن الجدوى بشكل علني، خاصة عند وجود قيود مهنية أو تنظيمية متصورة. هذه الديناميكيات يمكن أن تسمح بدمج تقنيات غير مختبرة أو تم التحقق منها جزئياً فقط. ويبدو أن بعض عناصر هذه المشاريع تعتمد على تخيلات مضاربة للغاية أو شبيهة بالخيال العلمي، لا سيما في حالة "نيوم" و"ذا لاين".
في غياب التدقيق الصارم للعمليات والتقنيات وتصاعد التكاليف المحتمل، يمكن أن تصبح المخاطر المرتبطة بالمبادرات الضخمة أكثر وضوحاً بمرور الوقت. إن المساحة المحدودة للتقييم المستقل يمكن أن تعقد، في بعض الحالات، التنفيذ وإعادة المعايرة، كما ينعكس في المسار المتطور لمشروع "نيوم" السعودي.
وما يفاقم هذه العوامل الهيكلية هو الصراع المستمر في منطقة الخليج الأوسع، والذي من المرجح أن يزيد من صياغة توجهات المستثمرين والتصورات الخارجية للمخاطر. قد يعيد أصحاب الثروات الذين فكروا في المشاركة في الأنظمة البيئية الحضرية والاستثمارية الناشئة تقييم مواقفهم وسط حالة عدم اليقين المتزايدة. قد تدفع هذه التطورات صناع القرار في السعودية إلى مراجعة جوانب من "نيوم"، بما في ذلك حجمه وتسلسله وأولويات الاستثمار فيه، حتى لو ظل التخلي الكامل عنه أمراً غير مرجح. وفي الوقت الحاضر، تشير القراءة الحذرة إلى تزايد حالة عدم اليقين بشأن التكوين طويل الأمد للمشروع.
المصدر: مؤسسة أوبزرفر الهندية للأبحاث ORF
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!