Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

إيران ليست مجرد تهديد.. إنها تقسم حلف الناتو

الأحد، 29 مارس 2026 1 دقائق للقراءة
إيران ليست مجرد تهديد.. إنها تقسم حلف الناتو

 د. الشرقاوي الروداني

إن الحرب مع إيران تكشف عن تصدع هيكلي داخل حلف الناتو؛ وهو تصدع قد يكون وقعه أكثر جسامة من أي تهديد خارجي يواجهه الحلف حالياً. إن ما هو على المحك ليس مجرد قدرة الناتو على الاستجابة لأزمة جديدة في الشرق الأوسط، بل قدرته على الحفاظ على تماسكه الاستراتيجي في عالم تحدده الأولويات المتضاربة والصراعات المتزامنة.

ومع تزايد الخلافات بين الدول الأعضاء حول ما هو أكثر أهمية -وأين يجب أن يتحرك الناتو- يواجه الحلف خطراً أهدأ ولكنه أكثر فتكاً: ليس الهزيمة العسكرية، بل الانقسام الداخلي.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يضطر فيها الناتو للتكيف. فبعد الحرب الباردة، أعاد تعريف نفسه كقوة استقرار في محيط أوروبا، وتحديداً في البلقان. وبعد أحداث 11 سبتمبر، أصبح فاعلاً أمنياً عالمياً يمارس القوة بعيداً عن نطاقه الجغرافي الأصلي، ولا سيما في أفغانستان. ومؤخراً، دفع ضم روسيا للقرم وغزوها لأوكرانيا الحلف للعودة إلى مهمته الجوهرية: الردع والدفاع عن الجناح الشرقي لأوروبا.

لكن الحرب في الشرق الأوسط تطرح نوعاً مختلفاً من التحديات. فخلافاً لأوكرانيا، التي تؤثر بشكل مباشر على الأمن الأوروبي، يقع هذا الصراع على حافة القلب الاستراتيجي للناتو، وهذا الفارق جوهري.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يزال الشرق الأوسط مسرحاً مركزياً للتنافس العالمي، حيث المصداقية والردع والأمن البحري جميعها على المحك. أما بالنسبة للعديد من الحلفاء الأوروبيين، فإن الأولوية تكمن في مكان آخر؛ فما دامت الحرب في أوكرانيا مستمرة، يظل التركيز منصباً بقوة على الجناح الشرقي. ومن هذا المنظور، فإن الانخراط الأعمق في صراع مع إيران يهدد باستنزاف الموارد، والاهتمام السياسي، والتركيز الاستراتيجي في لحظة تتطلب أقصى درجات التركيز.

هذا التباين بات مرئياً بالفعل؛ فقد رفضت عدة حكومات أوروبية الانضمام إلى الجهود التي تقودها الولايات المتحدة والتي تستهدف إيران، أو المشاركة في تأمين مضيق هرمز. إن ترددهم ليس مجرد تكتيك، بل يعكس سؤالاً أكثر جوهرية: ما هو الغرض من وجود الناتو؟

لعقود من الزمن، كانت الإجابة واضحة نسبياً؛ حيث تشاركت الولايات المتحدة وأوروبا في تسلسل هرمي موحد للتهديدات يتمحور حول الدفاع عن القارة الأوروبية. وحتى عندما وسع الناتو دوره، ظل هذا الإجماع قائماً. أما اليوم، فقد بدأ هذا التوافق في التآكل. ترى واشنطن بشكل متزايد أن الناتو منصة عالمية قادرة على العمل عبر مسارح متعددة -من الشرق الأوسط إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ- في إطار تنافس أوسع مع القوى المنافسة. في المقابل، لا تزال العديد من العواصم الأوروبية تنظر إلى الحلف في المقام الأول كمنظمة دفاع إقليمي. هذه الفجوة لم تعد هامشية، بل أصبحت هيكلية.

والنتيجة هي "ثنائية استراتيجية" متزايدة داخل الناتو؛ رؤية تدفع نحو الانخراط العالمي والمرونة، وأخرى تصر على التركيز الجغرافي والانضباط الاستراتيجي. وإذا ظل هذا الانقسام دون حل، فقد يتحول الناتو من حلف متماسك إلى نظام من الأولويات المتنافسة.

إن التداعيات ليست نظرية؛ فقوة الناتو لم تعتمد يوماً على القدرة العسكرية وحدها، بل على فهم مشترك لما هو أكثر أهمية. وبمجرد أن يضعف هذا التصور المشترك، يصبح التنسيق أكثر صعوبة، والعمل الجماعي أكثر ضبابية. وقد تكون الأزمة الحالية هي اللحظة التي يصبح فيها هذا التحول جلياً.

علاوة على ذلك، يتشكل الحذر الأوروبي بفعل الخبرات السابقة؛ فقد تركت الحروب في العراق وأفغانستان بصمة دائمة، مما عزز المخاوف من الدخول في صراعات ذات أهداف غير واضحة ونتائج غير مؤكدة. بالنسبة للعديد من الحكومات، فإن التورط في حرب مع إيران يهدد بتكرار تلك الأخطاء، ولكن هذه المرة في بيئة إقليمية أكثر تفجراً.

ومع ذلك، فإن هذا الضبط للنفس ليس بلا ثمن. فمن خلال الحد من الانخراط، يحافظ الحلفاء الأوروبيون على تركيزهم الاستراتيجي، لكنهم يخاطرون بتوسيع الفجوة مع واشنطن. وكلما طال أمد هذا التباين، زادت صعوبة الحفاظ على ثقافة استراتيجية مشتركة.

هناك أيضاً حسابات استراتيجية واضحة؛ ففتح جبهة ثانية كبرى في الشرق الأوسط سيؤدي حتماً إلى تشتيت تركيز الناتو عن أوروبا، وهذا هو بالضبط ما ترحب به روسيا. فموسكو، المنخرطة بالفعل في حرب طويلة في أوكرانيا، لها مصلحة قصوى في رؤية الانتباه الغربي منقسماً. وكلما زاد تمدد الناتو عبر أزمات متعددة، زادت مساحة المناورة لروسيا في محيطها المباشر.

أما الصين فتستفيد بطريقة مختلفة؛ فمع تحول الموارد العسكرية والدبلوماسية الأمريكية نحو الشرق الأوسط، يضعف الاهتمام بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ حتماً. لا تحتاج بكين إلى التحرك بشكل مباشر، فهي تربح من ديناميكية بسيطة: كلما انجذبت الولايات المتحدة إلى مسارح متعددة، قل تماسك استراتيجيتها العامة.

هذا السياق الأوسع مهم للغاية؛ وكما جادل "زبيغنيو بريجينسكي" ذات مرة، فإن الاستقرار عبر أوراسيا يعتمد على قدرة القوى الغربية على الحفاظ على التماسك الاستراتيجي. وعندما يتآكل هذا التماسك، تفتح الفرص للمنافسين لإعادة تشكيل التوازن لصالحهم.

يجسد مضيق هرمز هذه المعضلة؛ فأمنه أمر بالغ الأهمية لتدفقات الطاقة العالمية والاستقرار البحري بلا شك. لكن حمايته ليست عملاً محايداً في سياق صراع مستمر. فما تعتبره واشنطن مهمة دفاعية، قد تفسره طهران على أنه امتداد مباشر للحرب. وهذا الغموض يخلق خطراً حقيقياً للتصعيد، وهو خطر لا ترغب الحكومات الأوروبية في قبوله دون أهداف سياسية واضحة واستراتيجية خروج محددة.

في قلب النقاش الحالي تكمن قضية أعمق: التمييز بين "التضامن" و"الاصطفاف". إن الحلفاء الأوروبيين لا يرفضون التعاون مع الولايات المتحدة، بل يعيدون تعريف حدوده.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي؛ فالناتو لم يعد يواجه تهديداً واحداً مهيمناً، بل يبحر في مشهد من الأولويات المتنافسة: روسيا في أوروبا، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، والتنافس الاستراتيجي في آسيا. السؤال ليس ما إذا كان الحلف قادراً على التحرك في كل مكان، بل ما إذا كان بإمكانه فعل ذلك دون فقدان التركيز. إذا فشل الناتو في تحديد الأولويات، فإنه يواجه خطر "التمدد المفرط". والتمدد المفرط لا ينتج قوة، بل ينتج تفتتاً.

الدرس المستفاد ليس انسحاب الناتو من التحديات العالمية، بل وجوب تحديد دوره بدقة أكبر. إن الانضباط الاستراتيجي، وليس التوسع، هو الآن مفتاح المصداقية.

في نهاية المطاف، لا تختبر الحرب مع إيران الموقف العسكري للناتو فحسب، بل تختبر هويته. وإذا لم يتمكن الحلف من التوفيق بين ما يُطلب منه الدفاع عنه وما يرغب أعضاؤه في القتال من أجله، فإن التصدع الحقيقي لن يأتي من الخارج، بل من الداخل.


*المصدر: موقع مودرن دبلوماسي (Modern Diplomacy) هو منصة تحليلية دولية في تحليل الشؤون الخارجية، والعلاقات الدولية.

مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!