العنف الرمزي في التشريع
يُفترض في التشريع من حيث المبدأ أن يكون أداة لتحقيق العدالة وضمان المساواة وتنظيم التعايش الاجتماعي على أسس عقلانية ومحايدة، غير أن هذا الافتراض يصطدم، في الواقع العملي، بحقيقة أن القانون ليس نصًا بريئًا ولا خطابًا محايدًا، بل هو نتاج علاقات قوة اجتماعية وسياسية وثقافية، تنعكس في صياغته ومفاهيمه ولغته وافتراضاته الضمنية، ومن هنا يبرز مفهوم العنف الرمزي في التشريع بوصفه أحد أخطر أشكال العنف القانوني، لأنه عنف غير مرئي، يُمارس باسم الشرعية، ويُقبل اجتماعيًا بوصفه طبيعيًا أو بديهيًا.
لا يتجسد هذا العنف في العقوبة أو القسر المادي، بل في اللغة القانونية ذاتها، وفي التصنيفات التشريعية، وفي الافتراضات التي يتبناها القانون عن السلوك الطبيعي والنموذج الاجتماعي السوي، وهو عنف يُمارس دون ضجيج، لكنه يترك أثرًا عميقًا في إعادة إنتاج اللامساواة والتهميش.
يختلف العنف الرمزي عن العنف القانوني التقليدي في أنه لا يعتمد على الإكراه المباشر أو الجزاء الظاهر، بل على القبول الضمني من قبل الخاضعين له، فالأفراد لا يشعرون أنهم ضحايا عنف، بل يتعاملون مع النص القانوني بوصفه تعبيرًا مشروعًا عن النظام والعدالة.
ويتجلى العنف الرمزي في التشريع عندما تُفرض معايير ثقافية أو اجتماعية معينة بوصفها معيارًا قانونيًا عامًا، وعندما يُعاد تعريف بعض الفئات أو السلوكيات بصيغة دونية أو إقصائية، كذلك حينما تُقدَّم خيارات تشريعية محدودة على أنها الخيارات الوحيدة الممكنة، وبذلك لا يُمارس العنف عبر المنع أو العقاب فقط، بل عبر إعادة تشكيل الوعي القانوني والاجتماعي.
التشريع ليس مجموعة قواعد تقنية فحسب، بل هو خطاب يحمل رؤية معينة للمجتمع وللإنسان، وللعلاقات الاجتماعية، وهذا الخطاب يتضمن دائمًا تصورًا ضمنيًا عن المواطن النموذجي، وتعريفًا معياريًا للسلوك المقبول، وترتيبًا هرميًا للقيم والمصالح.
وعندما تُفرض هذه التصورات عبر القانون، فإنها تكتسب قوة إلزامية، وتتحول من آراء أو خيارات سياسية إلى حقائق قانونية، هنا يتجسد العنف الرمزي، لأن التشريع يفرض معنى واحدًا مشروعًا للحياة الاجتماعية، ويقصي المعاني الأخرى دون أن يبدو ذلك قسرًا.
كما وتلعب اللغة القانونية دورًا مركزيًا في إنتاج العنف الرمزي التشريعي، فاللغة القانونية غالبًا ما تُصاغ بأسلوب تجريدي ومحايد ظاهريًا، لكنه يخفي تحيزات بنيوية، ويتجلى ذلك في استخدام مصطلحات فضفاضة تتيح تفسيرات انتقائية، وتبني لغة ذكورية أو إقصائية دون وعي، وافتراض نماذج اجتماعية معينة بوصفها الأصل، اذن هذه اللغة لا تصف الواقع فقط، بل تعيد إنتاجه، وتفرض إطارًا محددًا للفهم، ما يجعل بعض الفئات غير مرئية أو غير معترف بها قانونيًا.
من أخطر مظاهر العنف الرمزي في التشريع هو التصنيف القانوني، حيث تُقسّم الفئات الاجتماعية إلى فئات مشمولة بالحماية وأخرى هامشية، فالتشريع لا يكتفي بتنظيم الحقوق، بل يحدد من يستحقها، وبأي شروط، وتحت أي توصيف، وعندما تُبنى هذه التصنيفات على معايير غير معلنة أو على افتراضات ثقافية ضيقة، فإن القانون يتحول إلى أداة لإنتاج التهميش بدل معالجته. ويزداد هذا الخطر حين تُقدَّم هذه التصنيفات بوصفها محايدة أو تقنية.
تكمن خطورة العنف الرمزي في أنه يُنتج امتثالًا طوعيًا، فالأفراد لا يلتزمون بالقانون خوفًا من العقوبة، بل لأنهم استبطنوا معاييره بوصفها منطقية وطبيعية. وهنا تتحقق أعلى درجات السيطرة، لأن الخضوع لا يُدرك بوصفه خضوعًا.
هذا النمط من الامتثال يجعل مقاومة العنف الرمزي أكثر تعقيدًا، إذ لا يكفي تعديل النصوص، بل يتطلب تفكيك البنية الخطابية والثقافية التي يستند إليها التشريع، كما يتناقض العنف الرمزي في التشريع مع جوهر العدالة الاجتماعية، لأنه يعيد إنتاج اللامساواة تحت غطاء القانون، فبدل أن يكون التشريع أداة لتحرير الفئات المهمشة، يصبح وسيلة لإدامة أوضاعها، عبر لغة وتصنيفات تبدو مشروعة.
وهنا يظهر الفرق بين المساواة الشكلية التي يعلنها القانون، والعدالة الفعلية التي تتطلب وعيًا بالفروق الاجتماعية والسلطوية الكامنة خلف النص.
ولا يمكن القضاء على العنف الرمزي عبر تعديل جزئي أو تقني، بل يتطلب ذلك وعيًا نقديًا بطبيعة الخطاب القانوني ومراجعة اللغة والتصنيفات التشريعية وإشراك فاعلين اجتماعيين متنوعين في صياغة القانون وإخضاع التشريع لتحليل اجتماعي وليس قانونيًا صرفًا، فالتشريع العادل لا يكتفي بالحياد الشكلي، بل يسعى إلى كشف التحيزات البنيوية وتصحيحها.
ختامًا- يكشف مفهوم العنف الرمزي في التشريع عن بعد خفي لكنه بالغ الخطورة في ممارسة السلطة القانونية، فالقانون حين يُقدَّم بوصفه خطابًا محايدًا، قد يخفي في طياته أشكالًا دقيقة من الهيمنة والإقصاء، تُمارس باسم الشرعية والعدالة، ومن هنا فإن بناء تشريع عادل لا يقتصر على سلامة النص أو انسجامه الشكلي، بل يتطلب تفكيكًا نقديًا مستمرًا للغة القانون وافتراضاته وسياقه الاجتماعي، فبدون هذا الوعي يتحول القانون من أداة للعدالة إلى وسيلة عنف رمزي مقنّع، يصعب كشفه، ويصعب مقاومته.
الكلمات المفتاحية
باحثة لدى ملتقى النبأ للحوار
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!