Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

التحول الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي العالمي

و
وحدة الترجمة – ملتقى النبأ للحوار
الاثنين، 01 يونيو 2026 1 دقائق للقراءة
التحول الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي العالمي

بقلم: أريندراجيت باسو

في كلمة ألقاها من مركز شنغهاي للمعارض والمؤتمرات العالمي الفخم في يوليو 2025، كشف رئيس مجلس الدولة الصيني "لي كيانغ" عن "خطة عمل الصين لحوكمة الذكاء الاصطناعي العالمي" إلى جانب منظمة مقترحة للتعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO). وقد صاغت خطة العمل خارطة طريق من ثلاثة عشر بنداً للتطوير والحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي، مع التركيز على التعاون متعدد الأطراف بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية (مثل الحوسبة، ومراكز البيانات، والشبكات)، ومعايير البيانات، والتنمية المستدامة. ورغم أن مقترح منظمة (WAICO) كان يفتقر إلى التفاصيل اللوجستية والإدارية، إلا أنه يشير إلى نية الصين في تشكيل واستدامة مؤسسات حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية.
تتحول دبلوماسية بكين في مجال الذكاء الاصطناعي الآن من نهج يركز على تصدير البنية التحتية الصينية والمعايير التقنية المرتبطة بها، نحو جهد أكثر شمولاً يهدف إلى إعادة صياغة القواعد والمعايير والمؤسسات العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك تعزيز تركيزها على تصدير وتطوير التقنيات التي تتبنى الأيديولوجية الصينية، فضلاً عن إعادة صياغة الخطاب المعياري العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي ليعكس مصالح بكين السلطوية. ومع تراجع واشنطن السريع عن عمليات وضع المعايير العالمية للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وسحب دعمها المالي للدبلوماسية السيبرانية بشكل أوسع، تبدو بكين حريصة على إظهار قيادتها العالمية. وهي تأمل من خلال ذلك في الحصول على قبول من دول الجنوب العالمي لرؤيتها القائمة على مركزية الدولة في حوكمة التكنولوجيا.
دروس من الدبلوماسية السيبرانية الصينية
يقدم المجال السيبراني رؤى مهمة حول طموحات الصين في الحوكمة العالمية. فقد كانت الصين حذرة من نظام حوكمة الإنترنت العالمي الذي توسطت فيه الولايات المتحدة منذ ظهور شبكة الإنترنت العالمية في تسعينيات القرن الماضي. وبينما كان الدبلوماسيون الأمريكيون يسعون وراء إنترنت متحرر من القيود يتميز بالتدفق الحر للمعلومات والحوكمة متعددة الأطراف، أُجبرت بكين على قبول هذه المعايير وتقييد مشاركتها العالمية. ولم يجد نهجها المحلي في حوكمة الإنترنت ــ المتمثل في "جدار الحماية العظيم"، وهو نظام مصمم لفرض الرقابة على المحتوى الأجنبي عبر الإنترنت ــ في البداية سوى عدد قليل من المتبنين خارج حدود الصين.
ولكن اليوم، تتزايد ضوابط المعلومات وتنتشر عبر الأنظمة الديمقراطية والسلطوية على حد سواء. فالبلدان السلطوية مثل إيران وروسيا، إلى جانب دول ديمقراطية مثل الهند وإندونيسيا، تستخدم بشكل متزايد تكتيكات مثل قطع الإنترنت، وحجب المحتوى، وتقنيات المراقبة لفرض سيطرة أكبر للدولة على مجال المعلومات عبر الإنترنت. ورغم أن الانتشار العالمي لضوابط المحتوى يعكس في المقام الأول عوامل سياسية محلية وليس بالضرورة محاكاة عمياء للنموذج الصيني، فإن هذه التطورات تكشف بوضوح عن منازعة "ما بعد ليبرالية" للإنترنت الحر والمفتوح، مما يوفر فرصاً للدول السلطوية لتحدي الأصول الليبرالية للإنترنت.
تاريخياً، سعت بكين إلى فرض نفوذها عالمياً من خلال التصدير المباشر للبنية التحتية التقنية التي طورتها الشركات الصينية، بدلاً من الاعتماد على الدبلوماسية المعيارية. ومن خلال مبادرة "طريق الحرير الرقمي"، صدرت الصين مجموعة من البنى التحتية، بما في ذلك شبكات الجيل الخامس (5G) وأنظمة التعرف على الوجه، إلى أجزاء مختلفة من العالم، بما في ذلك أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتحتل الشركات الصينية مثل "هواوي" مواقع حرجة في البنية البرمجية والعتادية (AI stacks) للذكاء الاصطناعي في العديد من بلدان جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، مما يمكن بكين من ممارسة النفوذ والسيطرة على نشر البنية التحتية التقنية والمعايير التي تحكمها. ويشمل ذلك مزاعم بزرع "أبواب خلفية" في البنية التحتية تسمح للصين بإجراء عمليات تجسس سيبراني. ورغم هذه المخاوف، فإن ما تقدمه الشركات الصينية غالباً ما يكون أرخص وأكثر كفاءة في النشر مقارنة بنظيراتها الغربية، مما يجعلها عرضاً ذا قيمة جاذبة لدول الجنوب العالمي.
دبلوماسية الصين الشاملة للذكاء الاصطناعي
تنظر الصين إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي من منظور ترسيخ سيطرة الدولة، بدلاً من حماية الحريات الفردية. ومثل أي قوة رائدة، تسعى الصين إلى نشر نهجها عالمياً حتى تعكس القيم والمؤسسات والمعايير التي تحكم الذكاء الاصطناعي المعايير السلطوية المحلية التي يضعها الحزب الشيوعي الصيني.
وكانت استراتيجية الصين للذكاء الاصطناعي في هذا الصدد مدفوعة حتى الآن بالصادرات البنيوية والحضور المتزايد للشركات الصينية في السوق العالمية. ومع ذلك، يتم استكمال هذا اليوم باستراتيجية دبلوماسية أكثر شمولية تسعى أيضاً إلى إعادة تشكيل الخطاب المعياري في المحافل الدولية. وتطمح الصين إلى التأثير على الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي بالطريقة التي تناسب مصالحها الخاصة ــ تماماً كما صاغت الولايات المتحدة نظام حوكمة الإنترنت الليبرالي ليعكس القيم الديمقراطية ويفيد الشركات الغربية في آن واحد.
وفي هذا السياق، تعمل بكين على تضخيم نفوذها ليس فقط داخل مؤسسات الأمم المتحدة، بل وأيضاً من خلال هيئات غير رسمية تكمل عمليات الأمم المتحدة. ففي عام 2024، على سبيل المثال، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع قراراً رعته الصين يربط بين الذكاء الاصطناعي، والتنمية المستدامة، والسيادة الوطنية. وقد طُرح هذا القرار من قبل "مجموعة أساسية من أصدقاء التعاون الدولي بشأن بناء قدرات الذكاء الاصطناعي" والتي تضم ثمانين دولة وكياناً تابعاً للأمم المتحدة. وترأس هذه المجموعة المشتركة كل من الصين وزامبيا، وتستضيف فعاليات وندوات لتعزيز التعاون والحوار بشأن بناء قدرات الذكاء الاصطناعي. علاوة على ذلك، تعترف خطة عمل الصين لحوكمة الذكاء الاصطناعي العالمي لعام 2025 بالأمم المتحدة باعتبارها "القناة الرئيسية" لصياغة إطار حوكمة عالمي عادل، وتشير صراحة إلى "الميثاق الرقمي العالمي"، وهو خارطة طريق شاملة برعاية الأمم المتحدة للتعاون الرقمي العالمي. وإن دعم الصين لهذه العمليات إشارة واضحة إلى اهتمامها بدفع الحوار الدولي حول الذكاء الاصطناعي تحت رعاية الأمم المتحدة، وهي الهيئة التي تعتقد بشكل متزايد أنها قادرة على السيطرة عليها.
ومن المرجح أن تكمل منظمة (WAICO) الصينية، عند تفعيلها، جهودها في الأمم المتحدة. ورغم أن تفاصيلها الوظيفية والتشغيلية لا تزال غير واضحة، فمن المحتمل أن تستخدمها الصين لبناء توافق آراء أولي بشأن قضايا حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتستغل هذا التوافق لاحقاً لتنسيق المواقف في الأمم المتحدة. وبينما لا يزال خطاب حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمي في مراحله الناشئة، فقد أرست الصين الأساس لتشكيل المناقشات المستقبلية بما يتماشى مع نهجها السلطوي المفضل محلياً.
بالإضافة إلى دفعها المعياري من خلال الأمم المتحدة والمؤسسات غير الرسمية، ركزت الصين أيضاً على بناء القدرات التقنية والحوكمية في الدول النامية من خلال ورش العمل والندوات. ومن المرجح أن تستخدم منظمة (WAICO) لتوسيع وتعزيز شبكتها من مراكز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك "مركز الصين وبريكس لتطوير والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي" (الذي تأسس في يناير 2025 ومقره في منطقة شوهوي بشنغهاي) و"مركز التعاون الابتكاري في مجال الذكاء الاصطناعي بين الصين ولاوس"، والمصممة لتسهيل بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتنمية مواهبه.
وتقدم جهود بناء القدرات هذه بالتأكيد فرصاً تنموية مهمة للدول الشريكة. ومع ذلك، فمن المرجح أن تستمر بكين في فرض سيطرتها على تشغيل التقنيات التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، قد يقوم أي نموذج لغوي كبير تصنعه شركة مقرها الصين بفرض رقابة تلقائية على المحتوى الذي يتبنى المعايير الليبرالية مثل الحق في الاحتجاج، بغض النظر عن مكان نشر هذا النموذج واستخدامه.
وجوهر القول إن جهود بكين لتشكيل الخطاب متعدد الأطراف بشأن الذكاء الاصطناعي في الأمم المتحدة، مع السعي في الوقت نفسه إلى نشر التكنولوجيا وبناء القدرات في الخارج، يمثلان وجهين لعملة واحدة؛ إذ يوسع الأخير القوة المادية للصين، بينما يساعد الأول في إضفاء الشرعية على نهجها المتمثل في مركزية الدولة في حوكمة الذكاء الاصطناعي.
ماذا الآن في عهد ترامب؟
إن ثقة الصين في دبلوماسيتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي اليوم مدفوعة بقدراتها المتزايدة في هذا المجال، فضلاً عن اعتقادها بأن رؤيتها الموجهة نحو التنمية من المرجح أن تكون أكثر جاذبية لدول الجنوب العالمي.
ويتعزز هذا الصعود الدبلوماسي لبكين بفضل الانقلاب في سياسة الذكاء الاصطناعي الأمريكية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب. وبينما تتحول الصين نحو دبلوماسية موجهة نحو المعايير، يبدو أن الولايات المتحدة تبنت استعراض العضلات الاقتصادية والإكراه الدبلوماسي.
في قمة باريس للذكاء الاصطناعي في فبراير 2025، أوضح نائب الرئيس "جي دي فانس" أن الأولوية الأمريكية هي الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي وأن المخاوف بشأن السلامة كانت بمثابة عوائق. وبعد عام واحد في قمة الذكاء الاصطناعي بنيودلهي، أكد الوفد الأمريكي على تعزيز "الهيمنة" الأمريكية على البنية التقنية والبرمجية للذكاء الاصطناعي. وقال مستشار سياسة الذكاء الاصطناعي بالبيت الأبيض، سيريرام كريشنان: "نريد التأكد من أن العالم يستخدم البنية التقنية للذكاء الاصطناعي الأمريكي. وهذا يعني من القاعدة إلى القمة. يعني أشباه الموصلات ورقاقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لدينا، وإنفيديا (Nvidia)، وإيه إم دي (AMD)، ووحدات معالجة الموتر من غوغل (TPUs)، وما إلى ذلك".
وعلى النقيض من تركيز منظمة (WAICO) الصينية على التعددية والتنمية، فإن خطة عمل أمريكا للذكاء الاصطناعي في ظل إدارة ترامب تعطي الأولوية لتسريع الابتكار، وبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي محلياً، وتعزيز المعايير الأمريكية من خلال بنيتها التحتية. وإلى الحد الذي تلامس فيه الخطة جانب الدبلوماسية، فإنها تقتصر على "مواجهة النفوذ الصيني في هيئات الحوكمة الدولية" بدلاً من صياغة جدول أعمال خاص بها.
ويصاحب النهج الأمريكي المتغير في حوكمة الذكاء الاصطناعي إفراغ لمؤسسات الدبلوماسية السيبرانية التابعة لوزارة الخارجية من خلال تخفيضات الميزانية والموظفين. كما تم تقييد مؤسسات المجتمع المدني التي تمولها وزارة الخارجية والتي كانت تعمل في المنظمات متعددة الأطراف لمواجهة الضغط الدبلوماسي الصيني بشأن المعايير والقواعد. واستهلت إدارة ترامب العام الجديد بالانسحاب من عدة مؤسسات رسمية وغير رسمية، أبرزها "تحالف الحرية على الإنترنت" (Freedom Online Coalition) و"المنتدى العالمي للخبرة السيبرانية" (Global Forum on Cyber Expertise)، واللذين كانا يركزان على تعزيز حقوق الإنسان الرقمية وصياغة بناء القدرات السيبرانية، على التوالي.
وفي المقابل، تعمل الشركات الخاصة المدعومة من الصين والأكاديميون وما يُسمى بالمنظمات غير الحكومية المنظمة حكومياً على سد هذا الفراغ. ومع تراجع واشنطن عن التزامها تجاه إنترنت حر ومفتوح وانكفائها عن مؤسسات الذكاء الاصطناعي العالمية، فإن المشاركة في صياغة المعايير وبناء القدرات تتيح فرصة لبكين لإفراغ المعايير الليبرالية من مضمونها فيما يتعلق بنشر بنيات الذكاء الاصطناعي في الجنوب العالمي.
هل ستكسب الصين الجنوب العالمي؟
لم تحظَ رؤية بكين للذكاء الاصطناعي بعد بقبول كامل من جانب الجنوب العالمي. فالبلدان النامية لم تؤيد صراحة الاندفاع الدبلوماسي لبكين بشأن الذكاء الاصطناعي، كما أنها لم تدعم البنية المؤسسية الجديدة التي اقترحتها بكين، حتى وإن كانت تستخدم بشكل انتقائي منتجات الذكاء الاصطناعي الصينية أو تشارك في ندوات ومنتديات غير رسمية حول بناء القدرات في هذا المجال. ويشير تأثير الدبلوماسية السيبرانية للصين وروسيا على مدار العقد الماضي إلى أن الاصطفاف المعياري الكامل مع رؤيتهما الخاضعة لسيطرة الدولة أمر غير مرجح.
ورغم أن الدول النامية حذرة من الخلافات الأيديولوجية، فإنها تظل منفتحة على التعامل مع قوى رائدة مختلفة بما في ذلك الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتعزيز أهداف التنمية الرقمية الخاصة بها. وبينما تبدي العديد من دول الجنوب العالمي استعداداً للنظر في رؤية الصين للذكاء الاصطناعي القائمة على مركزية الدولة والنظام العام، فإنها ترى أيضاً قيمة في حوكمة الذكاء الاصطناعي من خلال المعايير الليبرالية وضمانات حقوق الإنسان.
وتتبلور العمليات متعددة الأطراف بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك "الحوار العالمي بشأن الذكاء الاصطناعي"، في الأمم المتحدة، مما يوفر منصة لبلدان الجنوب العالمي للمشاركة في عمليات وضع المعايير العالمية وتشكيلها. ويحتفظ العالم النامي بفرصة لصياغة معايير تعطي الأولوية للتنمية وبناء قدرات الذكاء الاصطناعي مع احترام حقوق الأفراد والمجتمعات المتأثرة به. ورغم تباين المصالح والمقاربات في التعامل الدولي، لا ينبغي إجبار الدول النامية على الاختيار بين التوسع الدبلوماسي الصيني أو النزعة التجارية المتقلبة لإدارة ترامب. وبالنسبة للكثيرين، يظل المسار الراسخ في الديمقراطية وسيادة القانون هو السبيل الأكثر حكمة للمضي قدماً.


"شبكة الديمقراطية الرقمية" التابعة لمؤسسة كارنيغي

مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!