السياسة النقدية للعراق ودور الاحتياطي الاجنبي: اثار صدمة هرمز
1- ادارة السياسة النقدية في ظرف الصدمة
الخارجية
ابتداء هناك ما يُعرف
بالمرساة الاسميةnominal
anchor ،
وهي المتغيرات الكمية أو السعرية التي تستهدفها السياسة النقدية من أجل تحقيق
أهداف الاستقرار السعري. وفي ظل أزمة هرمز، تبدو السياسة النقدية وكأنها تسير في
اتجاهين متزامنين.
الأول: السيطرة على
معدلات نمو السيولة أو عرض النقد من خلال التدخل في السوق وبيع العملة الأجنبية
بهدف امتصاص فائض السيولة بالدينار وفائض الطلب على النقد الأجنبي، وذلك عبر
استبدال الدينار بالدولار، ولاسيما لتمويل تجارة القطاع الخاص. غير أن ذلك يجري في
ظل قيد يتمثل في تراجع الاحتياطيات الأجنبية واقترابها تدريجيًا من مستويات حرجة،
نتيجة استمرار تمويل السيولة المالية العامة عبر خصم الحوالات الخزينية والسندات الحكومية،
الأمر الذي يؤدي بدوره إلى زيادة عرض النقد.
أما الاتجاه الثاني،
فيتمثل في المحافظة على استقرار سعر الصرف الرسمي رغم تباطؤ نمو الاحتياطيات
الأجنبية والتآكل التدريجي في غطائها.
وعليه، فإن السؤال
الجوهري يتعلق بقياس مدى استدامة أو قدرة تحمل هذه السياسة النقدية الهجينة
والمزدوجة في ظل عجز شديد في الحساب الجاري لميزان المدفوعات.
وبعبارة أخرى، كم
شهرًا يمكن لمثل هذه السياسة أن تصمد أمام صدمة ممتدة في هرمز — إذا استمرت مثلًا
حتى نهاية العام — مع استمرار البنك المركزي في ممارسة هذه السياسة النقدية
المزدوجة التي تجمع بين التيسير الكمي داخليًا والتشديد الكمي عبر بيع الدولار من
الاحتياطيات الأجنبية التي يتدهور نموها في الوقت نفسه
2- تمويل سيولة الاقتصاد والموازنة العامة
عملياً، فإن سياسة
الاقتراض عبر الرافعة المهمة التي يوفرها التيسير الكمي الحذر للسياسة النقدية، أي
من خلال مهام تيسير خصم وتسييل السندات الحكومية بوصفها أداة للدين الداخلي عبر
عمليات السوق المفتوحة بين المصارف والبنك المركزي، تمثل اليوم صمام أمان أساسياً
في دعم الاستقرارين المالي والسعري في بلادنا.
ويتحقق ذلك عبر الدور
الساند الذي تؤديه كفاءة الاحتياطيات الأجنبية في (التدخل )داخل السوق النقدية،
بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني من صدمة ميزان المدفوعات الراهنة، المتأتية من
القيود الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، بوصفه الممر الرئيس لصادرات النفط
العراقي بنسبة تتجاوز 85%، وهي الصادرات التي تشكل المورد الأساس لإيرادات
الموازنة العامة في الظروف الطبيعية.
3- تعزيز المرساة الاسمية والاقراض الخارجي
إن الجمع بين متطلبات
التيسير الكمي لتعزيز سيولة الاقتصاد وتمويل احتياجات الموازنة العامة، ولاسيما
الوفاء بالالتزامات التشغيلية، وبين الحفاظ على استقرار سعر الصرف من خلال التدخل
في سوق الصرف ، يقتضي (في ظل استمرار آثار الصدمة الجيوسياسية ) اللجوء إلى «قرض إسناد
وتوازن» بالعملة الأجنبية.
وتنبع أهمية هذا
القرض الخارجي من كونه يُستخدم في إطار ما يُعرف بتعزيز «المرساة الاسمية» في
السياسة النقدية. فالمرساة الاسمية هي المتغير الاقتصادي الذي تعتمده السلطة
النقدية كمرتكز لتثبيت توقعات الأسواق والمواطنين بشأن التضخم والاستقرار النقدي.
ومن هنا، فإن الحاجة
إلى الاقتراض الخارجي لدعم الموازنة العامة ستنعكس إيجابًا على تعزيز مستوى
الاحتياطيات الأجنبية، ولاسيما عندما تقترب هذه الاحتياطيات من نقطة العبور إلى "الخط
الأحمرred tape "، أي عندما تهبط
نسبة تغطية الاحتياطيات الأجنبية لعرض النقد إلى ما دون حدود الاستقرار الآمن،
المقدرة بنحو 75%. وعندئذٍ يصبح من الضروري توفير مقومات نقدية إضافية بالعملة
الأجنبية من أجل الحفاظ على فاعلية المرساة الاسمية في تثبيت التوقعات التضخمية.
وفي الوقت نفسه، تمثل
المرساة الاسمية الإطار الذي يبعث الطمأنينة لدى المواطنين والمستثمرين بأن البنك
المركزي لن يترك الأسعار أو سعر الصرف عرضة للانفلات أو التقلبات العشوائية، الأمر
الذي يفسر أهمية المحافظة على مستوى كافٍ من الاحتياطيات الأجنبية القادرة على
التدخل في السوق النقدية وفرض الاستقرارين النقدي والمالي.
ومن هنا تستمر أهمية
مراقبة رصيد العملة الأجنبية عند اقترابه من «الخط الأحمر»، والعمل على تعويض
النقص عبر الاقتراض الخارجي عند الضرورة، تجنبًا للجوء إلى خيار تخفيض قيمة
الدينار
(Devaluation) بوصفه
بديلًا غير مرغوب فيه، لما يسببه من زعزعة للثقة بالاستقرار النقدي وإضعاف توقعات
المستثمرين والنشاط الاقتصادي عمومًا.
وعليه، فإن الاقتراض
الخارجي عند الحاجة يمثل مناورةً مالية ونقدية مؤقتة تهدف إلى الحفاظ على قدرة
السياسة النقدية في التدخل داخل السوق النقدية وفرض التوازن فيها إلى حين انحسار
الظروف الجيوسياسية الراهنة، وعودة صادرات النفط العراقية إلى مساراتها الطبيعية،
بما يعزز استقرار التدفقات المالية العامة عبر انتظام عوائد الصادرات النفطية،
وانتهاء حالة الحرب في الخليج العربي وتلاشي اثار صدمة هرمز .
4-الاستنتاجات والموقف المحتمل
هنا يمكن ان نشتق
اتجاه السياسة النقدية وربما الموقف الحكومي العام ومليانه ايضا بالتاكيد، و هو
الدفاع بالاحتياطيات الأجنبية لتوفير سيولة بالدينار عن طريق خصم حوالات الخزينة
لدى المركزي من جهة ، ثم السيطرة على
السيولة من خلال تعقيم الطلب بالدينار على الدولار sterilization اي من خلال مبادلة
الدينار بالعمل الأجنبية من جهة اخرى . وتستمر العملية الى بلوغ الخط الاحمر
للاحتياطيات
red tape ..!
ويتحدد المسار هنا
بين اتجاهين رئيسيين:
الأول، اللجوء إلى
الاقتراض الخارجي من أجل دعم الموازنة العامة وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية في
الوقت نفسه بصورة متلازمة، بما يضمن إعادة رصيد الاحتياطيات الأجنبية إلى ما فوق "الخط
الأحمر"، والمحافظة على استقرار المستوى العام للأسعار واستقرار سعر الصرف.
أما الاتجاه الثاني،
فيتمثل في تخفيض قيمة الدينار، بما يترتب عليه من توليد ما يُعرف بـ"الضريبة
التضخمية" التي تسهم في تمويل الموازنة العامة وترشيد استخدام النقد الأجنبي،
ولكن على حساب تحميل المواطنين أعباء التضخم وتآكل القوة الشرائية، بدلًا من تحمل
أعباء الدين الخارجي.
ويبدو أن الميل في
المرحلة الراهنة يتجه نحو الخيار الأول، أي الاقتراض الخارجي بالعملة الأجنبية، بوصفه
إجراءً احترازيًا ومؤقتًا إلى حين انقضاء الحرب وتلاشي صدمة هرمز النفطية، وعودة
التدفقات النفطية والمالية إلى أوضاعها الطبيعي قبل الصدمة!
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!