هشاشة صادرات النفط العراقية تكشف تكلفة الخلافات العالقة
يسار المالكي*
لقد كشف إغلاق إيران الفعلي لـ مضيق هرمز مدى اعتماد العراق الكلي على الخليج في صادراته النفطية. ولكن أبعد من ذلك، فقد كشف هذا الإغلاق عن التكلفة المتراكمة لـ "التهاون الاستراتيجي" لبغداد؛ إذ أدت الصدمة التي تعرضت لها الإمدادات العراقية إلى تعرية هشاشة بنية التصدير التحتية في البلاد، والفشل المستمر لكل من الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان في حل النزاعات الجوهرية حول إدارة ملف النفط.
يصدر العراق ما يقرب من 93% من نفطه الخام — أي حوالي 3.3 مليون برميل يومياً — عبر موانئ البصرة الخليجية. وبمجرد توقف حركة الناقلات نتيجة الحرب، امتلأت خزانات التخزين البرية بسرعة، مما أجبر السلطات على إيقاف الإنتاج في الحقول الجنوبية. ونتيجة لذلك، انخفض الإنتاج من حوالي 4.3 مليون برميل يومياً في فبراير إلى أقل من 1.3 مليون برميل يومياً، مما كشف عن غياب خطط الطوارئ لحماية شريان الحياة المالي لدولة تعتمد بشكل مفرط على النفط.
لم يكن هذا الخطر غير متوقع؛ فالعراق يدرك منذ فترة طويلة أن مضيق هرمز يمثل نقطة اختناق استراتيجية، وهو إدراك يعود إلى حرب الخليج الأولى في الثمانينيات. ومع ذلك، وعلى عكس منتجي الخليج الآخرين، فشل العراق في تفعيل قدراته البديلة عبر خط أنابيب العراق-تركيا (ITP)، الذي يقع الجزء التشغيلي منه داخل إقليم كردستان. وبدلاً من ذلك، ظلت بغداد وأربيل في حالة من الجمود بسبب عدم الثقة المتبادل والخلافات التي لم تُحل حول تقاسم الإيرادات، والسيطرة على الموارد، وإدارة بنية التصدير التحتية.
إن الانفراجة التي حدثت أخيراً لحلحلة هذا المأزق، والتي تمت بـ وساطة واشنطن في 17 مارس، سمحت بتصدير حوالي 170 ألف برميل يومياً من كركوك عبر خط أنابيب إقليم كردستان. ورغم ضآلة هذا الحجم، إلا أنه أكد حقيقتين:
1. أن أمن الطاقة في العراق يعتمد على التنسيق السياسي بقدر اعتماده على البنية التحتية.
2. أن الولايات المتحدة تظل طرفاً لا غنى عنه في التغلب على المآزق بين بغداد وأربيل.
أزمة مسبقة التوقع
لقد تجلت الأهمية الاستراتيجية لخط أنابيب العراق-تركيا بالفعل خلال صراع الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل في العام الماضي. وكان احتمال حدوث اضطراب مستقبلي في مضيق هرمز عاملاً دفع بغداد إلى تقديم تنازلات مع حكومة إقليم كردستان واستعادة الوصول إلى ميناء جيهان عبر اتفاق بوساطة أمريكية في سبتمبر الماضي، شمل السلطات الاتحادية وحكومة الإقليم وشركات النفط الدولية.
هذا الترتيب، الذي تم تمديده مؤخراً حتى يونيو، أنهى مواجهة استمرت عامين ونصف العام أدت إلى توقف الصادرات الكردية بعد فوز العراق الجزئي في قضية التحكيم ضد تركيا في أوائل عام 2023.
ومع ذلك، لم ينتج عن هذا الاتفاق تنسيق استراتيجي حقيقي. فبدلاً من وضع خطط طوارئ مشتركة، استمرت الريبة العميقة بين بغداد وأربيل، حتى مع تزايد المؤشرات على تجدد الصراع الإقليمي. وتجلت العواقب بوضوح عند وقوع الأزمة؛ إذ افتقر العراق إلى البنية التحتية اللازمة لتحويل كميات كبيرة من النفط شمالاً، حيث تركت سنوات من نقص الاستثمار شبكة الأنابيب غير قادرة على نقل الخام بكفاءة من البصرة إلى كركوك. وحتى مع استئناف الصادرات الآن، لا تزال هناك شكوك حول إمكانية تجاوز التدفقات حاجز 170 ألف برميل يومياً بشكل مستدام دون الإضرار بالإمدادات المحلية للمصافي ومحطات الطاقة في الشمال.
كما أدت الإخفاقات الأمنية إلى تفاقم هذه القيود. فقد استُهدفت حقول النفط في كردستان في يوليو الماضي من قبل جماعات مسلحة عراقية مدعومة من إيران، ومع ذلك لم يتم الاتفاق على إطار رادع أو أمني فعال. ومنذ بداية الصراع الحالي، عانى إقليم كردستان من أعنف الضربات، بما في ذلك هجمات الطائرات المسيرة على حقل سارسنك الذي تديره شركة "HKN" الأمريكية في أوائل مارس وأوائل أبريل. هذه الهجمات ردعت استعادة الإنتاج النفطي، مما أدى إلى خفض إنتاج الإقليم بأكثر من 200 ألف برميل يومياً، وهي كميات كانت كفيلة بتعزيز الصادرات الشمالية الحالية.
فرصة حكومة إقليم كردستان الضائعة
خلق اتفاق التصدير في العام الماضي فرصة نادرة لمعالجة الخلافات طويلة الأمد حول إدارة قطاع النفط في كردستان. فلطالما رفضت بغداد الاعتراف بقانونية عقود تطوير النفط التي وقعتها أربيل مع الشركات الدولية، ولكن عبر السماح لشركة "سومو" (SOMO) بالإشراف على الصادرات، أرسل الاتفاق إشارة إلى ليونة موقف بغداد.
ومع ذلك، وكما هو حال الاتفاقات السابقة، قام هذا الاتفاق بـ إدارة النزاعات بدلاً من حلها. فقد كان مدفوعاً بضرورات سياسية مؤقتة، حيث سعى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى تهدئة التوترات مع الكرد تحضيراً لمفاوضات تشكيل الحكومة.
وقد اتضحت هشاشة الاتفاق بعد إغلاق هرمز؛ حيث فُسر تردد أربيل الأولي في السماح للسلطات الاتحادية باستخدام خط الأنابيب، إلى جانب مطالبها المتعلقة بالقيود الجمركية، في بغداد على أنه محاولة لاستغلال الأزمة لانتزاع تنازلات. هذا التصور سمح للسلطات الاتحادية بصرف النظر عن انتقاد نقص استعدادها، مع تعزيز الرواية التي تتبناها الفصائل المتحالفة مع إيران بأن أربيل تعمل لمصالح ضيقة.
آفاق ضبابية
أكدت هذه الأزمة أن النزاع على إدارة النفط قد ترك دون حل لفترة طويلة جداً، وأن الولايات المتحدة تظل الطرف الخارجي الوحيد القادر على التوسط في تسوية ذات مغزى. ورغم دعوات الجانبين المتكررة لإقرار قانون النفط والغاز الاتحادي، إلا أن الخلافات حول التفسيرات الدستورية لا تزال تعرقل التقدم.
تجري هذه الجهود في ظل خلفية سياسية وأمنية متدهورة، حيث تسعى إيران لتعزيز نفوذها، بينما تصاعدت هجمات الجماعات المسلحة على الأهداف الأمريكية. تبرز هذه التطورات القدرة المحدودة للدولة العراقية على فرض احتكار القوة، وهشاشتها وسط الضغوط الخارجية المتنافسة. كما يضيف خطر العقوبات الأمريكية، خاصة إذا هيمنت الفصائل الموالية لطهران على الحكومة المقبلة، طبقة أخرى من عدم اليقين الاقتصادي.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الانسحاب سيعني التفريط في نفوذها في واحدة من أهم الدول المنتجة للنفط في المنطقة. إن قدرة واشنطن المثبتة على التوسط بين بغداد وأربيل توفر مدخلاً لدور أوسع، خاصة وأن العراق يسعى لتعميق مشاركة شركات الطاقة الأمريكية مثل "شيفرون" و"إكسون موبيل" للتنويع بعيداً عن الاعتماد على الصين.
لقد سلطت أزمة هرمز الضوء على القيمة الاستراتيجية لتأمين الإمدادات من منتجين مثل العراق. إن دوراً أمريكياً أكثر نشاطاً يأتي مع فرصة لمواءمة الأهداف التجارية والجيوسياسية والاستقرار في البلاد.
*المجلس الأطلسي (Atlantic Council)
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!