البقاء في الواجهة: استراتيجية البقاء الرقمية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)
د. سوميا أواثي*
على الرغم من فقدان السيطرة على الأرض، يواصل تنظيم "داعش" الحفاظ على نفوذه العالمي من خلال أنظمة رقمية تعمل على نشر التطرف، والحشد، والتحريض على العنف بأدنى قدر من التواصل أو السيطرة المباشرة.
رغم مرور أكثر من نصف عقد على خسارة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لـ "خلافته" المزعومة في العراق وسوريا، إلا أنه لا يزال يمثل قوة مؤثرة في المشهد الأيديولوجي العالمي. وفي منشور حديث لصحيفة يطلق عليها التنظيم أسم "النبأ" (العدد 526)، بعنوان "فخر سيدني"، ناقش التنظيم استخدام المنصات عبر الإنترنت لنشر التطرف والتعبئة وتنفيذ الهجمات، مستشهداً بهجوم "بوندي بيتش" في سيدني بأستراليا كمثال مثالي. وتظل العمليات الرقمية لداعش في عام 2025 ركيزة أساسية لأسلوب عمله، مما يمكنه من الحفاظ على تأثيره العالمي وتحقيق أهدافه العملياتية، مستهدفاً بشكل خاص الفئات العمرية الشابة الأكثر نشاطاً عبر الإنترنت والأكثر عرضة للتطرف.
تُسلط الأنشطة الجهادية المعاصرة الضوء على هذا
الاعتماد المستمر على الإنترنت وقدرته على دفع الأفراد نحو العنف دون اتصال مباشر.
طبقات الوجود الرقمي: يعمل التواجد الرقمي للتنظيم من خلال ثلاث طبقات متداخلة:
1. نشر المواد الأيديولوجية: مثل مقاطع الفيديو، والنشرات الإخبارية، والملصقات، والخطب المصممة لجعل العنف أمراً "طبيعياً" وتصويره على أنه مكلف به دينياً وضروري اجتماعياً.
2. الدعم النفسي والتحقق الأخلاقي: استخدام المساحات عبر الإنترنت لتقديم الدعم للمتعاطفين، غالباً من خلال التفاعلات بين الأقران بدلاً من المجندين الرسميين.
3. نموذج العمل المستقل: الترويج لنموذج عمل يتطلب حداً أدنى من التوجيه أو الموارد أو الانتماء التنظيمي.
يُعد الهجوم المنفرد أو الذاتي أصعب في الكشف، وأرخص في التنفيذ، وأكثر صموداً أمام استهداف قيادات التنظيم. هذا التحول يعكس حسابات استراتيجية؛ فالإنترنت يسمح لداعش بالحفاظ على نفوذه حتى عندما تتعرض بنيته التحتية المادية للخطر.
الدعاية عبر الإنترنت: ما وراء الرسائل التقليدية
لطالما كانت استراتيجية داعش عبر الإنترنت متعددة
الأوجه. في ذروتها عام 2015، امتلك التنظيم حوالي 46,000 حساب على
"تويتر" (X حالياً). ورغم انخفاض الأعداد، إلا أنه لا
يزال قادراً على الاستمرار عبر منصات مثل "إكس"، "تيليجرام"،
"تيك توك"، "فيسبوك"، "إنستغرام"، و"يوتيوب".
جدول: التواجد التقديري للحسابات المرتبطة بداعش عبر المنصات (حتى عام 2024)
|
المنصة |
عدد الحسابات التقديري |
ملاحظات لصناع السياسات |
|
تيليجرام |
6,000 – 8,000 حساب
وقناة نشطة |
النظام الأساسي للرسائل العملياتية، التلقين الأيديولوجي، وإعادة
التشكيل السريع بعد الحذف. |
|
إكس (تويتر سابقاً) |
1,500 – 3,000 في أي
وقت |
يعملون كمضخمين للرسائل وليسوا مصدرين أصليين لها؛ معدل حذف مرتفع
للحسابات. |
|
تيك توك |
800 – 1,200 حساب عرضي |
دعاية قصيرة، جماليات "الاستشهاد"، وصول خوارزمي
للقاصرين. |
|
فيسبوك/إنستغرام |
أقل من 1,000 (مجتمعة) |
مؤيدون ذوو رؤية منخفضة ومواد معاد تدويرها. |
|
يوتيوب |
أقل من 300 قناة |
إعادة رفع الفيديوهات، مواد أرشيفية، وخطب طويلة. |
|
منصات أخرى (RocketChat,
Discord) |
متزايدة وغير محددة الكمية |
تحول نحو أنظمة مشفرة ولا مركزية. |
التجنيد في الفضاء الرقمي: على عكس شبكات التجنيد الهرمية في العقود الماضية، تعطي استراتيجية داعش الحديثة الأولوية للتواصل والتعبئة عبر القنوات الرقمية، مما منح التنظيم لقب "الخلافة السيبرانية". وتُظهر تقارير "يوروبول" (2023) أن غالبية الدعاية الجهادية تدور الآن في منصات مشفرة، مما أدى لظهور هجمات "مستوحاة من داعش" مثل هجوم فيينا (2020) وهجمات نيوزيلندا والنرويج (2021).
قياس النفوذ: من الذي يصل إليه التنظيم؟
يُقدر عدد الأفراد المعرضين لأيديولوجية داعش عبر
الإنترنت بالملايين، وهم غالباً شباب متمكنون رقمياً يواجهون تحديات الهوية
الاجتماعية والسياسية.
جدول: نطاق النفوذ عبر الإنترنت (وليس العضوية)
|
المنطقة |
عدد الأفراد المتأثرين (تقديرياً) |
الأهمية السياسية |
|
أوروبا |
1.2 – 1.8 مليون |
خطر التطرف بين المهاجرين من الجيل الثاني وسكان السجون. |
|
جنوب آسيا |
3.5 مليون |
منافسة أيديولوجية مع الجماعات المحلية؛ روايات التجنيد رقمية بشكل
متزايد. |
|
غرب آسيا والشرق الأوسط |
8 – 12 مليون |
شبكات قديمة، ذاكرة الصراعات، وتعبئة المظالم. |
|
عالمياً (بشكل متحفظ) |
20 – 25 مليون |
تمثيل للوصول الخوارزمي الذي قد يؤدي للتطرف. |
الاعتبارات السياسية والاستراتيجية: تتطلب الاستجابة الفعالة للتطرف عبر الإنترنت إجراءات منسقة تشمل:
1. ما وراء الحذف الآلي: يجب على صناع السياسات دمج التحليلات السياقية واللغوية للكشف عن أنماط الهجرة بين المنصات.
2. دور المجتمع المدني: بناء المرونة المجتمعية من خلال محو الأمية الرقمية وإنشاء روايات مضادة ذات مصداقية ثقافية.
3. التمييز في التهديدات: التمييز بين التعاطف الأيديولوجي السلبي والنية العملياتية النشطة لتوجيه الموارد بشكل صحيح.
الخلاصة
يتكيف داعش مع مرحلة ما بعد السيطرة المكانية، حيث يظل الإنترنت مركزاً لاستراتيجيته. لقد جعل العصر الرقمي الوصول إلى الروايات المتطرفة أرخص وأسرع ومخصصاً. التحدي الذي يواجه الحكومات والمنصات التكنولوجية لا يقتصر على قمع المحتوى، بل في تعطيل الجاذبية الأيديولوجية التي تجذب الأفراد الضعفاء، وهذا يتطلب نهجاً شاملاً يتجاوز ساحات المعارك التقليدية.
* مؤسسة أوبزرفر للأبحاث (Observer Research Foundation - ORF)
الكلمات المفتاحية
التعليقات (0)
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!