Skip to content
آخر المستجدات
جميع الموضوعات الإصدارات الأخبار والتقارير الحوارات والفعاليات التغطيات الإعلامية جسور الإعلام والتواصل

نجاح السياسة الخارجية السورية يحجب مخاطر أعمق

السبت، 28 مارس 2026 1 دقائق للقراءة
نجاح السياسة الخارجية السورية يحجب مخاطر أعمق

د. هايد هايد

حققت السلطات الانتقالية في سوريا مكاسب ملحوظة في السياسة الخارجية؛ حيث تمكنت حكومة الرئيس أحمد الشرع من استعادة العلاقات الدبلوماسية، وتخفيف العقوبات، وعزل البلاد عن التداعيات العسكرية للحرب المستمرة في إيران.

ومع ذلك، تكشف الأحداث الأخيرة حدود استراتيجية الاستقرار الموجهة نحو الخارج. ففي 19 آذار/مارس، نفذت القوات الإسرائيلية غارة جوية على القوات الحكومية في السويداء، عقب اشتباكات بين القوات الحكومية وفصائل درزية، مما يثبت كيف لا تزال الصراعات الداخلية غير المحسومة في سوريا قادرة على استدراج الفاعلين الخارجيين.

وبدلاً من معالجة الأسباب الجذرية لصراع السويداء عبر عملية محلية، سعت السلطات إلى حلها من خلال صفقات تم التوسط فيها مع دول أخرى. ورغم أن هذا النهج قد ينجح في احتواء التصعيد في ذروة فاعليته، إلا أنه يترك التوترات الكامنة دون مساس. ودون عملية وطنية ذات مصداقية لمعالجة الانقسامات الداخلية، سيظل الانتقال في سوريا هشاً وعرضة للتدخلات الخارجية المتكررة.

من ساحة معركة إلى منطقة عازلة

تبرز سوريا الآن في الشرق الأوسط لسبب غير متوقع؛ فبينما تتورط الدول المجاورة بشكل متزايد في تداعيات الحرب على إيران، تجنبت سوريا حتى الآن الانخراط المباشر، وظلت معزولة إلى حد كبير عن آثارها.

هذا التحول لافت للنظر بالنظر إلى تاريخ سوريا الحديث؛ فلأكثر من عقد من الزمان، كانت البلاد الساحة المركزية التي تدار فيها الخصومات الإقليمية والدولية. أما اليوم، وعلى العكس من ذلك، فقد أعادت تموضعها كطرف محايد.

هذه النتيجة هي ثمرة السياسة الخارجية الفعالة لحكومة الشرع. فمنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أعادت السلطات الانتقالية ضبط علاقات سوريا الخارجية من خلال استعادة الروابط الدبلوماسية، وإشراك الجهات الإقليمية، والحد من وجود الشبكات المسلحة الموالية للخارج. وقد قللت هذه الإجراءات من خطر انزلاق سوريا مرة أخرى إلى ديناميكيات الصراع الأوسع.

وقد أوضح الرئيس الشرع ذلك في خطابه عقب صلاة العيد في 20 آذار/مارس، معتبراً أن موقع سوريا المتغير يعكس إدارة أكثر فاعلية للعلاقات الإقليمية والدولية. وبهذا المعنى، أصبحت السياسة الخارجية ركيزة أساسية لجهود استقرار البلاد، مما ساعد في حماية سوريا من الصدمات الخارجية في لحظة تتسم بتقلبات إقليمية حادة.

احتواء بلا حل

لكن التطورات الأخيرة في السويداء تسلط الضوء على حدود تلك الاستراتيجية. فقد تصاعد العنف في تموز/يوليو 2024 عندما نشرت دمشق قوات في المحافظة، وصورت الحكومة هذه الخطوة كجهد لاستعادة النظام بعد اشتباكات بين مجموعات درزية وبدوية.

ومع ذلك، نُظر إلى التدخل محلياً على نطاق واسع كمحاولة لفرض السلطة المركزية بعد أشهر من المفاوضات المتعثرة حول الترتيبات الإدارية والأمنية. وأدت المواجهات اللاحقة – والانتهاكات المسجلة – إلى تعميق عدم الثقة بين الجهات المحلية والسلطات.

وبدلاً من معالجة دوافع الصراع عبر حوار محلي شامل، سعت السلطات إلى احتوائه من خلال اتفاقات خارجية على مستوى النخبة. وافقت دمشق على خارطة طريق مع الأردن والولايات المتحدة لمعالجة القضية في أيلول/سبتمبر 2025، بينما تكثفت الجهود الموازية للحد من التدخل الإسرائيلي.

لكن هذا النهج فشل في حل الأزمة؛ حيث تعثر تنفيذ خارطة الطريق الأردنية-الأمريكية بعد رفضها من قبل السلطات المحلية الفعلية التي استُبعدت من مفاوضاتها. وكانت النتيجة نمطاً من التوترات المتكررة وأعمال العنف الدورية، وهي ظروف تستمر في استحضار التدخل الخارجي وتعقيد مفاوضات سوريا مع إسرائيل.

جاءت الغارات الجوية الإسرائيلية في 19 آذار/مارس عقب اشتباكات مزعومة بين القوات الحكومية السورية ومجموعة مسلحة درزية. وصورت إسرائيل هجومها كجهد لحماية المجتمع الدرزي، رغم إدانة دمشق لما وصفته بـ "التدخل في الشؤون الداخلية بهدف تقويض الأمن والاستقرار".

وبغض النظر عن الدوافع المتنازع عليها، فإن الواضح هو استعداد إسرائيل للتدخل كلما تقاطعت صراعات سوريا المحلية مع أولوياتها الاستراتيجية. وبالتالي، لا يمكن لأي قدر من التوازن الدبلوماسي السوري أن يحميها بالكامل إذا ظلت الصراعات المحلية دون حل.

تأجيل الحوار

الأهم من ذلك هو أن القضايا الجوهرية في صراع السويداء ليست مجرد حالات استثنائية محلية؛ فقضايا الحوكمة، والأمن، والتمثيل، وتقاسم السلطة، وهوية الدولة هي قضايا ذات نطاق وطني. وإن معالجتها عبر مساومات خلف الأبواب المغلقة – سواء مع النخب المحلية أو الفاعلين الخارجيين – يحمل خطر إنتاج نتائج تفتقر إلى الشرعية والاستدامة.

وهنا يصبح الحوار الوطني السوري المتعثر أمراً مركزياً. فقد أُطلقت هذه العملية في شباط/فبراير 2025 وكان الهدف منها توفير منصة لمعالجة هذه التساؤلات تحديداً، لكن بدلاً من ذلك، تم الاستعجال فيها، وهيكلتها بشكل ضيق، ولم تكن استشارية بما يكفي.

وبعد مرور أكثر من عام، لا تزال نتائجها غير منشورة إلى حد كبير. وبعيداً عن التصريحات العامة، لا يزال السوريون يفتقرون إلى رواية واضحة عما تمت مناقشته، أو الأولويات التي ظهرت، أو الاستنتاجات التي تم التوصل إليها. والنتيجة ليست مجرد فرصة ضائعة، بل فجوة متسعة بين السلطات الانتقالية والمجتمع.

مسار نحو التوافق

بدون إطار وطني شامل، سيستمر الفاعلون السياسيون السوريون في التعامل مع المفاوضات كـ "مباراة صفرية" – حيث يُنظر إلى التنازل كخسارة وليس كطريق لاستقرار مشترك. ويتطلب عكس هذه الديناميكية توسيع المشاركة بما يتجاوز النخب السياسية لتشمل المجتمع المدني، والمجتمعات النازحة، واللاجئين، والمغتربين.

وحتى لو ضاعت فرصة سابقة لإطلاق حوار وطني ذي مصداقية، فلم يفت الأوان للمحاولة مرة أخرى. إذ يمكن لعملية متجددة أن توفر مساراً سلمياً لمعالجة الأسئلة الجوهرية التي تشكل الدولة الناشئة. وإذا أُجريت بشفافية وشمولية، فقد تساعد في بناء إجماع وطني وتمنع الأطراف المتفاوضة ذات الأجندات الضيقة من ادعاء التحدث باسم قواعدها الشعبية.

ستكون المضامين حاسمة؛ حيث يجب أن يواجه أي حوار متجدد القضايا التي تستمر في إذكاء الصراع: الحوكمة، تقاسم السلطة، المشاركة، العدالة، الإصلاح الاقتصادي، ودور المؤسسات الأمنية. هذه ليست مسائل تقنية، بل هي في صميم النظام السياسي المستقبلي لسوريا.

كما أن آليات العملية لا تقل أهمية؛ إذ يجب ربط المشاورات بالنتائج، مع وجود آليات واضحة لترجمة أي اتفاقات إلى سياسات. والشفافية ضرورية، فبدون فهم واضح لكيفية اتخاذ القرارات، لا يمكن إعادة بناء الثقة.

الخطوة الأكثر إلحاحاً هي أيضاً الأبسط: يجب نشر نتائج الحوار السابق. فمن شأن ذلك أن يعطي إشارة على النية الجادة، ويعيد المصداقية، ويمهد الطريق لعملية أكثر جدوى وشمولاً.

الاختبار الحقيقي

كان نجاح السياسة الخارجية السورية كبيراً، لكنه لا يمكنه وحده ضمان الاستقرار. إن أي انتقال مبني أساساً على التموضع الخارجي بدلاً من التماسك الداخلي سيظل هشاً بطبيعته. فالاستقرار الدائم يعتمد على قدرة الدولة على حل النزاعات المحلية، وبناء رؤية وطنية مشتركة، وتأسيس نظام سياسي يحظى بالشرعية عبر نسيج المجتمع المتنوع.

وبدون هذا الأساس، ستستمر التوترات الداخلية، ومعها الفرص المتكررة للفاعلين الخارجيين للتدخل وتقويض السيادة. وبهذا المعنى، فإن نقطة ضعف سوريا الكبرى لا تكمن عند حدودها، بل في داخلها.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة الانتقالية ليس في قدرتها على تجنب الصراعات الإقليمية، بل في قدرتها على بناء أسس محلية قوية بما يكفي للصمود أمامها.

تشاتام هاوس


 


مشاركة:

التعليقات (0)

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!